قمت مؤخراً بزيارة الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. وسرعان ما أصبح واضحًا لي أن العالم ما زال لم يفهم تمامًا ما حدث هناك. وحدث دمار في شوارع العاصمة السودانية. شعرت المدينة التي يبلغ عدد سكانها 7 ملايين نسمة بأنها فارغة تقريبًا عندما كنا نسير عبر أحيائها.
ودمرت جميع المباني تقريبًا أو سويت بالأرض جزئيًا بسبب القصف والغارات الجوية، في حين كانت المباني التي بقيت قائمة مليئة بثقوب الرصاص. خلال 30 عامًا من العمل مع الإغاثة الإسلامية، لم أشهد مثل هذا الدمار من قبل.
إن صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق وحقيقة أنها حرب معقدة في أماكن نائية يعني أن الأزمة لم تحظ بأي قدر من الاهتمام الدولي الذي تحتاجه.
وتم تسجيل أكثر من 58 ألف حالة وفاة حتى الآن، ولكن تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 150 ألفًا ربما قتلوا. ومن الصعب تتبع الضحايا عندما تكون البنية التحتية لبلد ما مدمرة ويتسبب في نزوح الملايين.
فالناس لا يموتون بسبب العنف فحسب، بل بسبب المرض والجوع. وقد حدثت حالات تفشي متكررة لأوبئة الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي والتهاب السحايا والحمى الصفراء وغيرها من الأمراض المعدية. وتسببت الحرب في أكبر أزمة جوع في العالم، حيث أصبح 29 مليون شخص، أي 62% من السكان، بلا ما يكفي من الغذاء. وانتشرت المجاعة.
تقع مطابخ المجتمع المحلي التي يديرها المتطوعون في قلب المعركة للقضاء على الجوع، ولكنها بحاجة ماسة إلى مزيد من الدعم. وجدت دراسة حديثة أجرتها منظمة الإغاثة الإسلامية أن 42 بالمائة من 844 مطبخًا شملها الاستطلاع في جميع أنحاء البلاد قد أغلقت أبوابها في الأشهر الستة الماضية بسبب نقص الأموال والإمدادات.
والآن تعمل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على خنق سلاسل التوريد وتفاقم أزمة الجوع في السودان، ومضاعفة أسعار الغذاء والوقود ودفع المزيد من الأسر إلى الجوع.
وفي المناطق الغربية من دارفور وكردفان، لا يزال الناس يفرون من الفظائع المروعة: هجمات الطائرات بدون طيار على المستشفيات والمدارس، والبلدات المحاصرة، وإحراق القرى، وقصف قوافل المساعدات. إنني أشعر بالرهبة من موظفينا هناك الذين يواصلون العمل في مثل هذه الظروف القاسية ويساعدون النازحين قدر الإمكان. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من الاحتياجات التي لم تتم تلبيتها.
وحتى في الخرطوم والجزء الشرقي من البلاد، حيث تحسن الوضع الأمني وبدأت الأسر النازحة في العودة إلى مجتمعاتها، فإن الوضع قاتم.
عاد ما لا يقل عن 1.3 مليون شخص إلى العاصمة ليجدوا كارثة: نقص حاد في الغذاء، ووظائف قليلة، وانعدام الخدمات تقريبًا. فالفقر يائس ومنتشر على نطاق واسع، حيث دمرت الحرب الاقتصاد.
وقد توقفت حوالي 200 مدرسة في الخرطوم وحدها عن العمل، وهي الآن إما مدمرة أو تؤوي أسراً نازحة، مما يترك الأطفال العائدين بلا مكان لاستئناف تعليمهم. أما المستشفيات التي لم يتم تدميرها فقد تم نهبها وهي تعمل بشكل جزئي فقط. الكهرباء متوفرة فقط لبضع ساعات في اليوم.
ويساعد فريق الإغاثة الإسلامية التابع لنا في الخرطوم في إعادة بناء المدارس والمرافق الصحية، ويقدم الدعم العاطفي للأشخاص الذين يعانون من الصدمات النفسية. لكن حجم الاحتياجات هائل ويصعب مطابقته.
لقد التقيت بالعديد من الناجين الذين لديهم قصص رعب. أخبرتني امرأة تدعى عائشة كيف قُتل أبناؤها الأربعة على يد الفصائل المتحاربة. حملت أحفادها لمدة خمسة أيام للوصول إلى مخيم للنازحين في مدينة القضارف بشرق السودان. كل شخص التقيت به كان لديه قصصه الخاصة عن الخسارة والسفر الخطير.
ولا يزال الناس يخشون من انهيار الرخاء الهش الذي تشهده العاصمة مع استمرار الحرب. وفي الشهر الماضي، اشتدت حدة القتال في عدة ولايات، في حين تعرضت الخرطوم لهجمات بطائرات بدون طيار.
بالنسبة للكثيرين، فإن الخوف الأكبر الآن هو أن السودان، وهو أحد أكبر دول أفريقيا، سوف ينقسم إلى قسمين نتيجة للقتال الذي لا نهاية له في غرب البلاد.
وفي الشهر الماضي، التقى زعماء العالم في برلين لحضور مؤتمر كبير بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة للحرب. ولكن مرة أخرى، لم يتم إحراز تقدم يذكر نحو التقدم الدبلوماسي اللازم لتحقيق السلام الدائم وحماية المدنيين.
ومن الأهمية بمكان أن تقوم الحكومات الدولية بتكثيف الجهود السياسية بشكل عاجل لدعم وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار ومجموعات الاستجابة المحلية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين. ولسوء الحظ، فإن العديد من الموارد تأتي من الخارج والتي تعمل على تغذية الحروب بدلاً من المساعدة فيها.
إن أكثر ما أراده الشعب السوداني الذي التقيته هو أن تنتهي الحرب، وأن يعودوا إلى ديارهم ويعيشوا بكرامة ودون خوف. لا ينبغي أن يكون الكثير ليطلبه.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.









