مدينة غزة – مع استمرار وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران وبين إسرائيل ولبنان، هناك سؤال واحد يثير حفيظة الفلسطينيين في غزة: هل سيساعد وقف التصعيد على جبهات أخرى إسرائيل على تكثيف هجومها العسكري على القطاع أم يجبرها على اتخاذ مسار أكثر حذرا؟
منذ 8 أبريل/نيسان، حافظت الولايات المتحدة وإيران على وقف متوتر لإطلاق النار في أعقاب القصف الأمريكي الإسرائيلي لإيران والهجمات الانتقامية التي شنتها طهران على البنية التحتية والأصول الأمريكية في الشرق الأوسط. لكن إغلاق إيران لمضيق هرمز والحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية يلوحان في الأفق في المنطقة، حتى في الوقت الذي تحاول فيه باكستان الوسيط إعادة الخصمين إلى طاولة المفاوضات.
قصص مقترحة
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي إن إسرائيل ولبنان اتفقتا على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع بعد محادثات في البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق طويل الأجل بينهما، بما في ذلك نزع سلاح جماعة حزب الله المدعومة من إيران، الحليف الفلسطيني الرئيسي في المنطقة.
تم استبعاد حزب الله من المحادثات الإسرائيلية اللبنانية بسبب الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان حيث تتمركز القوات الإسرائيلية. لقد أقاموا “خطا أصفر” يشير إلى الأراضي التي يحتلونها، كما فعلوا في غزة. قُتل أكثر من 2500 شخص وشرد أكثر من مليون في لبنان منذ 2 مارس/آذار، عندما اندلع التصعيد الأخير للقتال بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.
وفي الوقت نفسه، أشارت الحكومة الإسرائيلية إلى استعدادها لمواصلة العمليات العسكرية في غزة وسط سلام نسبي على جبهات إقليمية أخرى، مما أثار المخاوف من حرب إبادة جماعية شاملة بين الفلسطينيين.
اثنين من السيناريوهات الرئيسية
وينظر البعض إلى احتمال استئناف إسرائيل هجومها على غزة كخيار بالنسبة لإسرائيل في ظل صمت المدافع على جبهات أخرى نسبياً، لكن آخرين يرون أن الحرب الجديدة في غزة هي بمثابة تكتيك ضغط من جانب إسرائيل للتأثير على المفاوضات الجارية مع إيران ولبنان.
ويشير سكان غزة إلى سيناريوهين رئيسيين: إما أن يؤدي هدوء إسرائيل على جبهتي إيران ولبنان إلى فرض مزيد من الضغوط على غزة عسكريا، أو أن العوامل الإقليمية والعالمية يمكن أن تمنع إسرائيل من استئناف العمليات العسكرية كما كانت قبل “وقف إطلاق النار” في أكتوبر/تشرين الأول.
ويقول محللون إن المسار الذي ستختاره إسرائيل قد يتحدد بموقف حماس من المطالب الغربية بنزع السلاح كشرط لتنفيذ المرحلة الثانية من “وقف إطلاق النار” الذي تدعمه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحماس في غزة. وتشمل المرحلة الثانية تشكيل لجنة وطنية لحكم غزة ونشر قوات دولية ومناقشة مستقبل الأسلحة داخل القطاع.
وقال وسام عفيفة، الباحث والصحفي المتخصص في التحليل السياسي والاستراتيجي، لقناة الجزيرة إن الهدوء النسبي على الجبهتين الإيرانية واللبنانية زاد من ثقل غزة في الحسابات الإسرائيلية لأن الحد من الاستنزاف المتعدد الأطراف “يسمح بإعادة تركيز الاهتمام العسكري والسياسي على أجندة لم يتم حلها” تشمل مستقبل استخبارات حماس وحاجب في غزة.
ومع ذلك، أوضح عفيفة أن هذا لن يؤدي تلقائيًا إلى حرب واسعة النطاق، بل قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى “ضغوط سياسية وأمنية مكثفة ومنخفضة الشدة”، خاصة إذا رأت إسرائيل أن هذا النهج يحقق “مكاسب بتكلفة أقل من الحرب المفتوحة”.
وقال إن درسه يتماشى مع استمرار إسرائيل في توسيع منطقة السيطرة داخل غزة ومطالبة إسرائيل المستمرة بنزع سلاح حماس باعتبارها “عقبات مركزية أمام الخطة الأمريكية”.
وقال عفيفة إن غياب جبهات عسكرية إقليمية أخرى يجعل غزة أقل ضغوطا، وليس أقل، من خلال الحد من التوترات في أماكن أخرى “وتحرير مساحة صنع القرار الإسرائيلي وتقليل تكلفة الجهود المبذولة لإعادة التركيز على القطاع”.
في الوقت نفسه أشار عفيفة إلى “عامل التوازن”: قد يفضل المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، بعد توقف الحربين في لبنان وإيران، منع اندلاع حرب جديدة في غزة.
ويرى أن ما حدث في لبنان يشير إلى أن واشنطن “لا تزال تفضل إدارة التصعيد بدلا من إبقائه مفتوحا”، خاصة عندما تخشى حربا إقليمية أوسع وتكاليفها. وقالت عفيفة إنها تأمل أن تطبق إدارة ترامب نفس النهج على غزة.
وقال للجزيرة “الأمر لا يتعلق بفرض حل عادل أو نهائي، بل يتعلق بمنع انفجار كبير وكسب الوقت ودفع الأطراف نحو تسوية مؤقتة”.
لكنه أضاف أن غزة حالة مختلفة لأن واشنطن “مرتبطة بالتطورات السياسية والأمنية في القطاع فيما يتعلق بمسألة أسلحة حماس وحكمها”، مما يجعل احتمال الضغط الأمريكي على إسرائيل “أكثر تعقيدا”.
وقال المحلل السياسي عهد فروانة المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، إنه يعتقد أن وقف إطلاق النار في لبنان وإيران قد غيّر الأولويات داخل إسرائيل وأن غزة، على الرغم من العمليات العسكرية المستمرة، أصبحت “ثانوية” في المناقشات العالمية.
نزع سلاح حماس
وقال عفيفة إن ربط حماس نزع سلاحها بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة وإقامة دولة فلسطينية هو “تحرك استراتيجي في الأساس، وليس مجرد تفاصيل تفاوضية”، حيث إنها تربط الأسلحة بضمانات طويلة الأجل وليس مجرد ترتيبات فنية.
لكنه أضاف أن إنهاء الحربين في إيران ولبنان من شأنه أن يزيد الضغوط على حماس لأن نزع السلاح قد يصبح قضية مركزية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة في غزة. وفي الوقت نفسه، يمكن لحماس أن تطرح السؤال أيضاً تحويل المناقشة من نزع السلاح الفوري إلى انسحاب إسرائيلي شامل، وإعادة إعمار غزة، ومسائل الحكم، واتفاق سياسي أوسع “لمنع انفصال أجندة الأسلحة عن بقية العناصر، بحيث لا يبدو الأمر وكأنه استسلام سياسي داخلي”.
وتقول إسرائيل إن انسحابها يعتمد على نزع سلاح حماس بينما تريد الحركة أن تأتي أي محادثات بشأن أسلحتها بعد انسحاب إسرائيل الكامل وفتح المعابر الحدودية وإعادة إعمار غزة كمرحلة أولى من “وقف إطلاق النار”.
السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفقاً للاتحاد الدولي لكرة القدم، هو “التوقف لفترة طويلة في المفاوضات مع بذل الجهود للسير على المسار الصحيح ببطء بدلاً من تحقيق تقدم سريع”. وأضاف أنه بناء على ذلك، قد تظهر إجراءات إنسانية جزئية، لكن “المأزق الرئيسي سيبقى حتى يتغير ميزان الضغط أو يظهر إطار ضمان جديد”.
ووافق فروانة على ذلك، مشيرًا إلى أن ربط نزع السلاح بشروط رئيسية أخرى لن يؤدي إلا إلى “إطالة أمد الأزمة” لأن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60 بالمائة من غزة، وتنفذ اغتيالات وتفجيرات، وتفرض قيودًا على دخول وخروج المساعدات والأشخاص.
وقال إن الجمود تزامن مع عام الانتخابات في إسرائيل، مما دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تجنب “الدفع قدما بالتزامات المرحلة الثانية” ومحاولة بدلا من ذلك إطالة أمد المرحلة الأولى من “وقف إطلاق النار” لأطول فترة ممكنة.
وقال حازم قاسم المتحدث باسم حماس للجزيرة إنه يتعين على إسرائيل “الوفاء بشروط وقف إطلاق النار في غزة وتنفيذ التزامات المرحلة الأولى”، مشيرا إلى أن الحصار وعمليات القتل مستمرة منذ بدء ما يسمى بوقف إطلاق النار وسجلت أكثر من 700 حالة وفاة.
وقال قاسم إن حماس تريد أن ترى إسرائيل “تقيم أساسًا واضحًا للثقة” من خلال التنفيذ الكامل لشروط المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى الثانية. وقال إن حماس “قادرة على تبني نهج عقلاني ومعقول ضمن توافق وطني” لمنع العودة إلى الحرب، وناشد دول الوساطة ضمان تنفيذ المرحلة الأولى من “وقف إطلاق النار”.
وانتقد ربط التنفيذ بنزع السلاح ووصفه بأنه “انحياز واضح لوجهة النظر الإسرائيلية”.
“السياسة الإسرائيلية التوسعية”
وقال قاسم إن الهجمات الإسرائيلية على غزة لم تتوقف وإن معدل القتل يبلغ خمسة يوميا منذ بدء “وقف إطلاق النار”.
وأضاف أن إسرائيل تسمح بدخول أقل من ثلث المساعدات المتفق عليها إلى غزة بينما تواصل منع دخول المنازل المتنقلة والخيام والإمدادات الطبية إلى القطاع الفلسطيني، واصفا الوضع بأنه “إبادة جماعية بكل معنى الكلمة” حيث تغزو الجرذان مخيمات النازحين وتنشر الأمراض.
وحذر قاسم من أن إسرائيل لم توقف سياساتها العسكرية بل “وزعتها على جبهات متعددة”، محذرا من أن الهدوء في أماكن أخرى قد يؤدي إلى تكثيف العمليات التي تقودها حكومة يمينية متطرفة كجزء من “سياسة إسرائيلية عدوانية وتوسعية” في غزة.
وقال إن التهديدات تمتد إلى ما هو أبعد من غزة إلى الضفة الغربية المحتلة – حيث شارك المستوطنون في أعمال عنف وقاموا بتوسيع المستوطنات، وهي غير قانونية بموجب القانون الدولي – وإلى لبنان وسوريا، مما يشكل مخاطر على الأمن العربي الأوسع.
وعقد وفد من حماس ومبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف عدة جولات من المحادثات في القاهرة في مارس/آذار وهذا الشهر. وتشير التقارير إلى أن المحادثات تركز على تثبيت “وقف إطلاق النار” وضمان تنفيذ مرحلته الأولى وحل القضايا الإنسانية بما في ذلك المساعدات وعبور الحدود. كما أشارت المناقشة إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وعلى الرغم من وصفها في بعض الأحيان بأنها إيجابية، إلا أن المحادثات لم تحقق أي تقدم ولكنها أسست لمسار تفاوضي يهدف إلى التهدئة، وتأجيل القضايا الحساسة مثل نزع سلاح حماس.
وقال عفيفة إن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تعكس مزيجا من الضغوط للتفاوض وترك الحرب “كبديل للردع والتسهيل”. ورغم أن الحرب قد تندلع إذا فشلت المفاوضات أو لم يتم حل أزمة الأسلحة بين حماس، فإن تكاليفها البشرية والعسكرية وغياب نهاية سياسية واضحة، فضلاً عن الخلافات الداخلية في الضغوط الإسرائيلية والأميركية، قد تعمل كعقبات.
وقال فروانة إنه يعتقد أن العودة إلى حرب واسعة النطاق أمر غير مرجح، لكنه يخشى أن الضغوط السياسية على نتنياهو، وخاصة من اليمين، قد تدفعه نحو التصعيد. بالنسبة له، فإن الجيش الإسرائيلي الذي سئم الحروب المتعددة، ونقص القوة البشرية في الجيش، والنقاش حول زيادة الخدمة الاحتياطية الإلزامية، يمكن أن يكون بمثابة رادع.
وقال للجزيرة “كل هذه العوامل تجعل المؤسسة العسكرية مترددة في العودة إلى حرب واسعة النطاق، مما يجعل التصعيد المحدود أكثر احتمالا”.
فروانة د إن غزة تحتاج إلى مشاركة قوية من الدول العربية والإسلامية لضمان السلام والتحرك نحو تنفيذ المرحلة الثانية من “وقف إطلاق النار”.
وأضاف أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغوط حقيقية على نتنياهو، كما حصل في لبنان، لكن ذلك يعتمد على ضغوط عربية وإسلامية موازية”.








