أدى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في غارة جوية أمريكية إسرائيلية إلى إرسال موجات من الصدمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تم قطع رأس قيادة “محور المقاومة” في أحلك لحظاتها.
ولعقود من الزمن، كانت هذه الشبكة من الجماعات المتحالفة مع إيران هي خط الدفاع الأمامي لطهران. ولكن اليوم، مع وفاة القائد الأعلى وانقطاع الشرايين اللوجستية، يبدو التحالف أقل شبهاً بآلة حرب موحدة وأكثر أشبه بسلسلة من الجزر المعزولة.
قصص مقترحة
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة
وحذر حسن أحمديان، الأستاذ في جامعة طهران، من أن عصر الصبر الاستراتيجي قد انتهى وأن الحكومة الإيرانية مستعدة الآن “لإحراق كل شيء” ردا على الهجوم.
وعلى الرغم من تعهد طهران بالانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل “بقوة لم تشعر بها من قبل”، إلا أن رد عملائها الرئيسيين في لبنان واليمن والعراق كشف عن معضلة عميقة مدفوعة بالتهديدات الوجودية المحلية التي يمكن أن تفوق ولائهم الأيديولوجي لزعيم سقط.
حزب الله: المشي في قطرات المطر
وفي بيروت، تمت معايرة رد فعل حزب الله، الذي يعتبر جوهرة التاج بين حلفاء إيران الإقليميين، بعناية.
وبعد الإعلان عن وفاة خامنئي يوم الأحد، أصدرت الجماعة بيانا أدانت فيه الهجوم ووصفته بأنه “ذروة الجريمة”. لكن مازن إبراهيم، مراسل الجزيرة في بيروت، أشار إلى أن اللغة المستخدمة كانت دفاعية وليست هجومية.
وقال إبراهيم: “إذا تم كسر البنية اللغوية للبيان، يصبح تعقيد موقف حزب الله واضحا”. “لقد تحدث الأمين العام عن ‘مكافحة العدوان’، وهو ما يعني اتخاذ موقف دفاعي… ولم يهدد صراحة بمهاجمة إسرائيل أو شن عملية انتقامية”.
ويكمن وراء هذا الحذر واقع استراتيجي جديد. ومنذ سقوط حكومة بشار الأسد في سوريا أواخر عام 2024، انقطع “الجسر البري” الذي يغذي حزب الله. وأشار الباحث المقيم في طهران علي أكبر داريني إلى أن الخسارة “قطعت الاتصال البري مع لبنان”، مما ترك المجموعة معزولة جسديا.
والآن بعد وفاة خامنئي، القائد الأعلى للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، يبدو حزب الله مشلولاً – عالقاً بين جبهة داخلية منهكة في لبنان وفراغ في الأوامر من طهران.
الحوثيون: التضامن يلتقي بالبقاء
وفي اليمن، يواجه الحوثيون حسابات أكثر تقلبا.
وفي أول خطاب متلفز له منذ بدء الهجوم على إيران يوم السبت، أعلن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن قواته “على استعداد تام لأي تطور”. ومع ذلك، أكد خطابه بشكل خاص على أن “إيران قوية” وأن “ردها سيكون حاسما”، وهي عبارة فسرها المحللون على أنها محاولة لتحويل العبء المباشر للحرب عن الحوثيين.
ويتعرض الحوثيون لضغوط هائلة. ورغم نجاحهم في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وإطلاق الصواريخ على تل أبيب، فإنهم يواجهون الآن تهديدات متجددة في الداخل.
وقد شهدت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي فازت في صراع السلطة ضد الانفصاليين الجنوبيين، تحولاً في الزخم. وكان وزير الدفاع طاهر العقيلي أعلن مؤخراً أن “مؤشر العملية يتجه نحو العاصمة صنعاء” التي يسيطر عليها الحوثيون. وألمح البيان إلى هجوم بري محتمل لاستعادة السيطرة على أراضي الحوثيين.
وهذا يضع الحوثيين في مأزق. وبينما التقى مفاوض الحوثيين محمد عبد السلام مؤخراً مع المسؤول الإيراني علي لاريجاني في مسقط بعمان لمناقشة “وحدة القطاعات”، فإن الواقع على الأرض مختلف. ومن الممكن أن تترك الحرب على الجانب الإيراني الجبهة الداخلية للحوثيين في أيدي القوات الحكومية المدعومة من المنافسين الإقليميين.
وحذر المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين في بيان أقر بوضوح بالتكاليف الباهظة لحرب أوسع مع تصاعد التهديد، أن “توسيع دائرة الاستهداف لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الصراع”.
العراق: القنبلة الموقوتة الداخلية
ربما لا يوجد مكان أكثر حدة من هذا التعقيد في العراق، حيث الخط الفاصل بين الدولة و”المقاومة” غير واضح بشكل خطير.
إن الميليشيات المتحالفة مع إيران، والتي يعمل الكثير منها تحت مظلة قوات الحشد الشعبي المدعومة من الدولة، أصبحت الآن في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وتصاعدت التوترات أواخر عام 2024 عندما كشف إبراهيم الصميدعي، مستشار رئيس الوزراء العراقي، أن واشنطن هددت بتفكيك الجماعات بالقوة، وهو التحذير الذي أدى إلى استقالته تحت ضغط من قادة الميليشيات.
واليوم، أصبح هذا التهديد أكبر من أي وقت مضى. وعلى عكس حزب الله أو الحوثيين، تعد هذه الجماعات من الناحية الفنية جزءًا من النظام الأمني العراقي. إن الانتقام من الأراضي العراقية لن يخاطر بحرب الميليشيات فحسب، بل سيخاطر أيضًا بالصراع المباشر بين الولايات المتحدة والدولة العراقية.
إن قادة الحرس الثوري الإيراني الذين توسطوا في هذه التوترات قد ماتوا الآن، وذهبت “اليد المسيطرة”. ويمكن الآن لقادة الميليشيات المنقسمة أن يقرروا مهاجمة القواعد الأمريكية متى شاءوا، مما يجر بغداد إلى حرب حاولت الحكومة جاهدة تجنبها.
مقاومة بلا رأس
وكان اغتيال خامنئي سبباً في تفكيك بنية القيادة والسيطرة لـ “محور المقاومة”.
تم بناء الشبكة على ثلاث ركائز: السلطة الأيديولوجية للمرشد الأعلى، والتنسيق اللوجستي للحرس الثوري الإيراني، والاتصال الجغرافي عبر سوريا. اليوم تم كسر الثلاثة.
وقال داريني إن “أهم ضرر على المصالح الأمنية الإيرانية هو قطع الروابط البرية”. ومع رحيل خامنئي، انقطعت أيضاً “العلاقة الروحية”.
ما تبقى هو مشهد مجزأ. وفي لبنان، حزب الله متعب للغاية لدرجة أنه لا يستطيع فتح جبهة شمالية. وفي اليمن، يواجه الحوثيون هجوماً داخلياً محتملاً. وفي العراق، الدولة التي تعيش فيها الميليشيات مهددة بالانهيار.
عندما يهدأ الغبار في طهران، ستواجه المنطقة حالة خطيرة من عدم القدرة على التنبؤ. “محور المقاومة” لم يعد جيشاً موحداً. إنها مجموعة من الميليشيات الغاضبة المدججة بالسلاح، كل منها يحسب حساب بقائه في عالم توقفت فجأة عن تلقي الأوامر من طهران.












