ماذا ستعني عودة المالكي للرأي العام في العراق والمنطقة؟

وقبل أسبوعين، أعلن رئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني استقالته من منصب رئيس الوزراء. وتمهد هذه الخطوة الطريق فعليا لعودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى السلطة، وسط جدل سياسي بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر.

وهذا التطور ليس مجرد إعادة تدوير سياسي؛ ويعكس هذا فشل بناء الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي عام 2003. وفي عهد المالكي، قد يعود العراق إلى السياسات الكارثية التي أدت إلى ظهور تنظيم داعش في عام 2014.

السياسة الطائفية

ولكي نعكس ما قد تعنيه عودة المالكي بالنسبة للعراق، فمن المهم أن نفحص سجل إنجازاته. وفي عام 2006، عندما تم ترشيحه لأول مرة لمنصب رئيس الوزراء، حظي بدعم إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. لقد فعلت واشنطن ذلك باسم الاستقرار والثقة، على الرغم من الإشارات الحمراء المبكرة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2006، بعد ستة أشهر فقط من وصول المالكي إلى السلطة، أعرب مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي عن قلقه بشأن قدرته على كبح جماح العنف ضد السكان السُنّة.

إن القرار الذي اتخذته إدارة بوش بالاستمرار في دعم رئيس الوزراء يعكس سجلها من السياسات المضللة المدفوعة بالجهل بالمنطقة وتاريخها. ومن خلال دعم المالكي، مهدت واشنطن الطريق أمام الفوضى وعدم الاستقرار التي سعت إلى تجنبها.

خلال ولايتيه الأوليين، أنشأ المالكي نموذجاً للحكم خالف عمداً الرؤية السياسية الشاملة لتسوية ما بعد العام 2003. وقد اتبع سياسة الإقصاء المتعمد للسكان السنة على المستويين السياسي والاجتماعي تحت ستار اجتثاث البعث. وعلى الرغم من أن الهدف في الأصل هو إزالة الموالين لصدام حسين، فقد تم استخدام العملية كسلاح من قبل المالكي كأداة طائفية. ففي عام 2010، على سبيل المثال، استخدم رئيس الوزراء قانون اجتثاث البعث لمنع تسعة أحزاب وأكثر من 450 مرشحا ــ معظمهم من السنة ــ من خوض الانتخابات البرلمانية.

كما اعتقلت قوات الأمن تحت قيادته سياسيين سنة معتدلين بتهم “الإرهاب” وقمعت الاحتجاجات السلمية.

وتشكل مجزرة عام 2013 في بلدة الحبيبة في محافظة كركوك مثالاً على ذلك. وفي يناير/كانون الثاني من ذلك العام، تجمع عشرات الآلاف من السنة لأسابيع من الاحتجاجات السلمية ضد سياسات حكومة المالكي التمييزية. وبعد ثلاثة أشهر، هاجمت قوات الأمن مواقع الاحتجاج، مما أسفر عن مقتل 44 متظاهراً على الأقل.

وفي عهد المالكي، شهدت بغداد أيضاً تهجيراً متعمداً للسنة من منازلهم وتوحيد المناطق التي يهيمن عليها الشيعة. لقد كان شكلاً من أشكال الهندسة السكانية بدعم وتواطؤ كامل من الدولة.

ونتيجة لهذه السياسات، نمت السياسات الطائفية إلى درجة أصبحت فيها الهويات العرقية والدينية انقسامات رئيسية في المجتمع، مما أدى إلى تقويض الوحدة الوطنية وإغراق البلاد في حرب أهلية.

وقد خلقت الهجمات المستمرة على الطائفة السنية استياءً واسع النطاق، والذي استغلته بسهولة المنظمات المتطرفة – في البداية تنظيم القاعدة ومن ثم تنظيم داعش.

الفساد وسوء الإدارة

لم يكن نزيف الثروة الوطنية على نطاق صناعي خلال عهد المالكي مثيراً للدهشة. وقدرت لجنة الشفافية التابعة للبرلمان العراقي في عام 2018 أن 320 مليار دولار قد خسرت بسبب الفساد منذ الغزو الأمريكي؛ وبقي المالكي في السلطة لمدة ثماني سنوات من تلك السنوات الخمس عشرة.

تم استخدام الأموال لتمويل أسلوب حياة المالكي الحميم، وشراء العقارات باهظة الثمن وإيداعها في شركات وهمية وحسابات مصرفية سرية. كل هذا لا يتعلق بالخلل الإداري، بل بالسرقة الكبرى.

وقد قامت هيئة النزاهة الفيدرالية العراقية بتوثيق مثل هذا السلوك السيئ على نطاق واسع، ولكن حتى الآن، لم تتم محاسبة أي شخص. وفي عهد المالكي، تم تدمير استقلال القضاء، مما جعل أي عملية للمحاسبة مستحيلة.

وامتد سوء الإدارة أيضاً إلى القوات الأمنية والعسكرية. لسنوات، كان الجيش يدفع “للجنود الأشباح”؛ وبحلول عام 2014، ارتفعت فاتورة هذا المخطط الفاسد إلى 380 مليون دولار سنويًا. رئيس الوزراء نفسه وجد يدير سجنه الخاص ويقود قوة خاصة مكونة من 3000 جندي موالٍ له.

أدت سنوات من الفساد والخلل الوظيفي داخل الجيش العراقي، وسط ما يقرب من 100 مليار دولار من التمويل الأمريكي، إلى كارثة عام 2014، عندما تفرقت الوحدات العسكرية في مواجهة قوات داعش المتقدمة.

عودة المالكي

ولم يقض المالكي السنوات الـ 11 الماضية في عزلة سياسية. وبدلاً من ذلك، كان في مركز الآلة السياسية، حيث كان يخطط ويجهز جميع العناصر اللازمة لعودته النهائية تحت مراقبة الإدارة الأمريكية القادمة.

ومن المرجح أن تؤدي ولاية ثالثة بالنسبة له إلى تعميق الانقسامات الطائفية وتعميق الفساد. سوف يستمر تقويض النظام العراقي بسبب ميله إلى إنشاء هياكل سلطة الظل التي تعمل على تمكين الموالين على حساب المؤسسات.

وستكون عودة المالكي ذات أهمية إقليمية أيضاً. وفي أعقاب سقوط حكومة بشار الأسد في سوريا والضعف الخطير الذي يعانيه حزب الله، أصبح العراق المصدر الأمني ​​والمالي الإقليمي الأكثر أهمية بالنسبة لإيران.

ولم يكن موقف إيران في المنطقة بهذا الضعف لعقود من الزمن، لكن عودة المالكي من شأنها أن تمنع العراق فعلياً من الشروع في مسار أكثر استقلالاً عن طهران في شؤونه الداخلية والخارجية.

ومن المرجح أيضًا أن تمنع ولايته الثالثة التطبيع مع دمشق. لقد عارض المالكي صراحة ضم القيادة السورية الجديدة. وفي العام الماضي عارض حضور الرئيس المؤقت أحمد الشرع مؤتمر الجامعة العربية في بغداد ووصفه بأنه “مطلوب لدى المحاكم العراقية بتهم تتعلق بالإرهاب”.

وفي موازاة ذلك، فإن حكومة المالكي الجديدة من شأنها أيضاً أن تشكل تحدياً لمصالح الولايات المتحدة. يُظهر تعيين مارك سافوي مبعوثًا خاصًا إلى العراق من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو أول تعيين من نوعه منذ 20 عامًا، عزمها على المضي قدمًا في السياسات الرامية إلى كبح نفوذ إيران.

وتريد واشنطن حل قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران ودمجها بالكامل في الجيش العراقي. ومن غير المرجح أن يتخذ المالكي مثل هذا الإجراء لأنه “الأب الروحي” لهذا الهيكل المسلح الموازي. وتفكيكها يعني تدمير خلقه وقطع علاقاته مع إيران.

لكن القضية لا تتعلق فقط بالسياسات التي سيتبعها المالكي. وصحيح أيضاً أن العراق غير قادر على الهروب من الدورة السياسية التي لم تجلب له سوى الكارثة. ويظهر أن النخبة السياسية في العراق لم تتعلم شيئًا من أزمة عام 2014.

لا تزال التعبئة المجتمعية والسياسات الكليبتوقراطية خيارات سياسية صالحة. وقد خرج الشباب العراقي مراراً وتكراراً إلى الشوارع للاحتجاج على هذه الحالة المعيبة والمختلة إلى حد كبير. وبدون تغييرات كبيرة في هياكل الحوافز، وآليات المساءلة، والتوزيع الطائفي للسلطة، فمن المرجح أن يكرر العراق نفس أخطاء الماضي الجسيمة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

رابط المصدر

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا