لقد كانت الثورات عبر التاريخ في كثير من الأحيان في قلب شخصية مركزية تتمتع بشخصية كاريزمية، مثل لينين، أو ماو، أو كاسترو.
ولكن في أواخر القرن العشرين، ظهرت موجة من الاحتجاجات والثورات التي لم تبدأ بقيادة قوية ولا بشخصية مركزية ناشئة مع تقدم الثورة.
وتعد هذه الظاهرة، التي توصف في أدبيات العلوم السياسية بالحركات الأفقية أو المقاومة بلا قيادة، من أهم التطورات في التاريخ السياسي المعاصر.
ولكن هل يمكن للثورات بلا قيادة أن تنتصر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ينجحون بالضبط؟
ما المقصود بـ “الثورة بلا قيادة”؟
الثورة بلا قيادة لا تعني عدم وجود شخص مؤثر مرتبط بالاحتجاجات، بل تعني أن عملية صنع القرار ليست مركزية.
لا يوجد تسلسل هرمي رسمي، والأهم من ذلك، أن شرعية الثورة تأتي من الأسفل من خلال العمل الجماعي وليس من أي فرد أو حزب محدد.
علاوة على ذلك، يتم تنسيق الأنشطة في مثل هذه الثورات بشكل رئيسي من خلال الشبكات الاجتماعية أو المجموعات الأخرى.
وهذا النموذج من الثورة عادة ما يكون استجابة لانعدام الثقة التاريخية في الزعماء الكاريزميين الذين يتحولون بعد النصر إلى مصادر للسلطة القمعية.
الثورة التونسية: انقسامات داخل قوات الأمن
إن الثورة التونسية، وهي أول احتجاج من نوعه في حركة الربيع العربي الأوسع، هي مثال كلاسيكي على التمرد بلا قيادة. خلال الأحداث التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2010 في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، لم تكن الاحتجاجات بمبادرة من حزب سياسي محدد أو بقيادة أي زعيم معترف به.
بدأت الثورة بإحراق محمد البوعزيزي، البائع المتجول، نفسه احتجاجاً على مصادرة فاكهته والفساد الحكومي والبطالة. وفي غضون فترة قصيرة، انضمت شبكة من الشباب والنقابيين والمحامين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى هذا التمرد الشعبي.
استمرت الاحتجاجات الشعبية لمدة 28 يومًا، مما أجبر الرئيس زين العابدين بن علي، الذي يحكم البلاد منذ أكثر من 23 عامًا، على حل الحكومة والبرلمان والتخلي عن السلطة والفرار إلى المملكة العربية السعودية.
كان أحد العوامل الرئيسية في نجاح المتظاهرين في الإطاحة بالنظام، إلى جانب السخط الاجتماعي العميق والواسع النطاق، هو الانقسامات العميقة داخل قوات الأمن. كما أن غياب قائد واحد للثورة اعتبر تنازلاً للثوار، إذ لم يمنح الحكومة الفرصة للتحرك لإزاحتهم.
وعلى الرغم من غياب أي قادة، كان دور النقابات، بما في ذلك النقابة العامة لعمال تونس، مهما خلال الاحتجاجات.
وعلى الرغم من نجاح الثورة، فإن غياب زعيم وخطة واضحة لمرحلة ما بعد بن علي خلق منافسات أيديولوجية وأزمة اقتصادية وضعف مؤسسي دفع تونس إلى فترة من عدم الاستقرار، مما أدى في النهاية إلى العودة إلى شكل من أشكال الاستبداد.
لقد أظهرت الأحداث في تونس أنه على الرغم من أن حركة بلا قيادة يمكن أن تطيح بالنظام الحاكم، إلا أنه لا يمكن بناء نظام جديد دون مشروع سياسي واضح للمستقبل.
الثورة المصرية: مجموعات مختلفة والهدف واحد
تألفت الثورة المصرية من سلسلة من الاحتجاجات والمسيرات والعصيان المدني، مستوحاة من نجاح الثورة التونسية وفي إطار الحركات التي تسمى بالربيع العربي.
بدءاً من يناير/كانون الثاني 2011، استلهمت الاحتجاجات في مصر أيضاً حركة “المقاومة” التي يقودها الطلاب في صربيا؛ حركة بدأت الاحتجاجات السلمية في عام 2000، مما أدى إلى سقوط حكومة سلوبودان ميلوسيفيتش بدعم من الجيش.
أدت الحركة الاحتجاجية في مصر، والتي غذتها الاستخدام الواسع النطاق لموقعي فيسبوك وتويتر، في نهاية المطاف إلى استقالة حسني مبارك من الرئاسة بعد 30 عاماً وتسليم كل السلطات إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، المؤلف من كبار القادة العسكريين.
كانت هناك سمتان رئيسيتان لهذه الثورة. فأولا، أثناء الثورة، لم تدعم المؤسسة العسكرية المصرية حسني مبارك، كما اضطر رئيس الوزراء المصري أحمد شفيق زكي إلى الاستقالة بعد أقل من شهر من ترك مبارك لمنصبه.
ثانياً، نجحت الاحتجاجات، على الرغم من افتقارها إلى أي قيادة جماعية أو لسان حال كاريزمي يمكن للمتظاهرين التواصل معه، في الجمع بين فئات اجتماعية متباينة ذات أجندات مختلفة تحت هدف مشترك.
مصر الجانب القوي
ومع تعدد وجهات النظر والمجموعات المختلفة في العمل، أصبح غياب قائد محدد من منظور فكري معين، والذي كان من الممكن أن يشكل نقطة ضعف خطيرة لاستمرارية الثورة المصرية، نقطة قوتها.
ويقول المدون ومقدم البرامج التلفزيونية المصري أحمد عسيلي شيئا آخر.
وقال: “إن الافتقار إلى القيادة منع النظام من التغلب علينا”. “على وجه الخصوص، قد يتم تخويف القادة أو إسكاتهم أو إجبارهم على الدخول في مفاوضات يقدم فيها النظام تنازلات لحماية نفسه”.
وهكذا نشأت في مصر حركة بلا قيادة، اتحد خلالها الجميع حول مطلب بسيط للغاية ولكنه جذري: الاستقالة الفورية لحسني مبارك.
ومع ذلك، كانت أنشطة المتظاهرين منضبطة ومنظمة. قامت ست مجموعات – بما في ذلك حركة شباب 6 أبريل، وحركة الشباب الهائج، وتحالف محمد البرادعي من أجل التغيير – بالتشاور بشكل غير رسمي مع بعضها البعض حول كيفية تنظيم التجمعات في ميدان التحرير.
ومع ذلك، أصبح الافتقار إلى قيادة واضحة مشكلة في نهاية المطاف. وبعد سقوط مبارك، سارعت القوى المنظمة التي لعبت دوراً ثانوياً في الثورة، بما في ذلك الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، إلى ملء فراغ السلطة.
وكانت النتيجة أنه على الرغم من نجاح الثورة، إلا أنه تم القضاء على الثوار وإقامة نظام استبدادي مرة أخرى.
إن مصر بمثابة تحذير من أنه إذا لم تتمكن حركة بلا قيادة من تقديم ممثلين سياسيين بسرعة، فسوف يتدخل آخرون.
الثورة الأوكرانية: الأمل والعنف في مدينة كييف
وتشكل ثورة الميدان الأوروبي في أوكرانيا مثالاً آخر لحركة بلا قيادة. واستمر الحراك أكثر من ثلاثة أشهر من نوفمبر 2013 إلى فبراير 2014.
بدأت الثورة برسالة من أحد الصحفيين يدعو فيها إلى التجمع في ميدان الاستقلال (Maidan Nezalezhnosti) في وسط كييف للاحتجاج على رفض الحكومة التوقيع على اتفاقية الشراكة واتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن الثورة كانت بلا قيادة، إلا أنه كان هناك نشاط منظم سريع وعفوي بين المجموعات المختلفة، وتم تنسيقه إلى حد كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن تخطيط جميع العناصر ذات الصلة لمواصلة الاحتجاج، من الغذاء إلى الرعاية الصحية، خلق شعورًا قويًا بالانتماء للمجتمع بين المتظاهرين.
وصلت المواجهة إلى ذروتها في فبراير/شباط 2014، عندما قامت الشرطة بقمع الاحتجاجات بوحشية، وقُتل عشرات الأشخاص في الفترة ما بين 18 و21 فبراير/شباط، العديد منهم على يد مسلحين من الشرطة.
وينص اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه بوساطة أوروبية بين الحكومة وقادة الاحتجاج على تشكيل إدارة انتقالية وإجراء انتخابات مبكرة، لكن المتظاهرين احتلوا في وقت لاحق المباني الحكومية وفر الرئيس الصديق لروسيا فيكتور يانوكوفيتش إلى روسيا.
نقاط القوة والضعف في الثورات بلا قيادة
ومن أهم خصائص مثل هذه الثورات التي لا قيادة لها هو عدم رجعتها النسبية، حيث أن إزاحة فرد لا يؤدي إلى تدمير الحركة.
السمة الثانية هي المشاركة الواسعة للناس. والعمل الجماعي في مثل هذه الثورات ينطلق أيضاً من التنظيم والقيادة، والشرعية تأتي في الواقع من التواجد في الشارع، وليس من المؤسسات أو البرامج.
أما الميزة الثانية، على الأقل في الأمد القريب، فهي أنها تقلل من خطر نشوء الدكتاتورية الشخصية.
من أهم نقاط الضعف في الثورات التي لا قيادة لها هو عدم القدرة على اتخاذ قرارات سريعة في اللحظات الحرجة بسبب غياب القيادة المركزية.
المشكلة الأخرى في مثل هذه الثورات هي عدم وجود تمثيل سياسي للتفاوض أو المشاركة في عملية انتقال السلطة، كما أن خطر اختطاف الثورة من قبل قوى أقوى قائم دائمًا.
ولهذا السبب، فشلت بعض الثورات ليس بسبب المتظاهرين، بل بسبب غياب الإستراتيجية في الساحة السياسية بعد الثورة.
كما أن وجود قائد للثورة (أو ظهوره أثناء الثورة) يمكن أن يضمن ظروف ما بعد النصر إلى حد ما، مما يمنع العودة إلى الاستبداد أو خلق الفوضى في فترة ما بعد الثورة.
ولكن سواء كان هناك زعيم منذ بداية الثورة أو ظهر قائد آخر خلالها، فإن هناك أمراً واحداً واضحاً: إذا فشلت المعارضة في تنظيم نفسها، فإن السلطة الحاكمة سوف تفعل ذلك بسرعة.
الثورات بلا قيادة هي أبناء عصر عدم الثقة. وقد يهزون النظام الحاكم، بل وربما يطيحون به، ولكن إذا لم يتمكنوا من سد الفجوة بين سلطة الشعب والبنية السياسية في مرحلة ما بعد الثورة، فإن انتصارهم سوف يكون قصير الأجل.












