تكريم نساء غزة اللاتي رفضن السماح للعالم بالنظر بعيدا عن الجريمة ضد الإنسانية

بينما يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، تمتلئ موجات الأثير الإعلامية العالمية بالإيماءات الرمزية والتصريحات الرنانة حول حقوق المرأة. يتم الحديث عن الإحصائيات والاحتفاء بالمبادرات وتشجيع الوسوم.

وفي الوقت نفسه، يتم تبييض مضطهدي المرأة الحقيقيين، والتستر على جرائمهم، ووصم من يقاومونهم.

ولكن هنا في غزة نعرف من هم مضطهدينا ومن هم أبطالنا. لقد قتل الاحتلال الإسرائيلي آلاف النساء والفتيات الفلسطينيات خلال العامين ونصف العام الماضيين. لقد دمر حياة مليون منهم.

لقد وقفت نساء غزة وقاومن الإبادة الجماعية الإسرائيلية، كل على طريقتها. لقد أظهرت الصحفيات على وجه الخصوص شجاعة حقيقية. لقد أخذوا على عاتقهم المهمة الخطيرة المتمثلة في الإبلاغ عن فظائع حرب الإبادة الجماعية والإدلاء بشهادتها وتوثيقها.

لقد أصبحت الكاميرات وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الخاصة بهم أدوات ليس فقط لسرد القصص، ولكن أيضًا للبقاء والذاكرة.

لقد دفعت الصحفيات في غزة ثمناً باهظاً لشجاعتهن في تحدي الاحتلال. ومن بين 270 صحافياً وعاملاً في مجال الإعلام الذين قتلتهم إسرائيل، هناك أكثر من 20 امرأة.

ومن بين هؤلاء مريم أبو دقة، التي استهدفها الجيش الإسرائيلي مع صحفيين آخرين في مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة في أغسطس/آب. عمل كمراسل ميداني لسنوات، حيث قام بتوثيق محنة الفلسطينيين تحت الحصار ثم قدم تقارير عن واقع حرب الإبادة الجماعية.

لم تكن مريم صحفية شجاعة فحسب، بل كانت أيضًا ابنة وأمًا محبة. عندما كان صغيرا، تبرع بإحدى كليتيه لوالده الذي كان يعاني من مرض الكلى.

كان مخلصًا تمامًا لابنه غيث. أثناء الحرب، اتخذ القرار المؤلم بإرسالها إلى الخارج حتى تكون آمنة.

قبل وفاتها، كتبت رسالة مفجعة لابنها: “غيث، قلب وروح والدتك، أريدك أن تصلي من أجلي، لا أن تبكي على موتي”.

قبل أربعة أشهر من مقتل مريم، قتل المحتلون الإسرائيليون مصورة صحفية لامعة أخرى: فاطمة حسونة.

وكتبت فاطمة على مواقع التواصل الاجتماعي قبل وفاتها: “إذا مت، أريد موتاً مدوياً. لا أريد أن أكون مجرد خبر عاجل أو رقم بين الكثير. أريد موتاً يسمعه العالم، أثراً يدوم عبر الزمن وصوراً لا يستطيع الزمان والمكان أن يدفنها”.

كمصور صحفي شاب موهوب، كان لديه مستقبل مشرق. وكانت أيضًا على بعد أشهر من الزواج.

وقصف الجيش الإسرائيلي منزله في شمال غزة، مما أدى إلى مقتله وستة من أفراد عائلته، بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن فيلم وثائقي عنه في مهرجان سينمائي مستقل في مدينة كان.

فجأة تركتنا فاطمة مبكراً. لكن رحيله لم يكن هادئا. كان صوتها مرتفعًا، تمامًا كما أرادت. عرض فيلم وثائقي عنه خذ القوس الدائم في مهرجان “حرة، فلسطين حرة!” مع الشعارات.

لقد كان لاستهداف وقتل الصحفيين الفلسطينيين على نطاق واسع تأثير مدمر على من نجوا. لقد ترك ندوبا نفسية عميقة.

تتحدث الصحفيات عن الخوف والألم والإرهاق فيما بينهن. إنهم يعلمون أن الموت يمكن أن يضربهم من السماء في أي لحظة، ومع ذلك يثابرون. ويواصلون الإبلاغ عن الحروب التي لا يمكنهم الفرار منها. وهم أنفسهم يواصلون الإبلاغ عن المجازر التي يتعرضون لها.

لقد قاموا بتفصيل المجاعة أثناء البحث عن الطعام لعائلاتهم. ويسجلون النزوح عندما فروا من منازلهم مع أطفالهم. وبعد أن نجوا من القصف كتبوا عن القصف. إنهم يجرون مقابلات مع الثكالى بينما هم أنفسهم يشعرون بالحزن على فقدان أحبائهم.

إنهم يعملون في ظروف من شأنها أن تجعل الصحافة مستحيلة في أي مكان آخر. إنهم يعملون في أماكن لا توجد بها كهرباء، ولا يوجد اتصال بالإنترنت تقريبًا، ولا يوجد ممر آمن لأولئك الذين يرتدون سترات الصحافة.

ولكن على الرغم من هذه العقبات، تواصل الصحفيات في غزة الكتابة والتسجيل والتوثيق والبث للملايين حول العالم. وقد شكلت تقاريرهم فهم العالم لماهية الحياة أثناء الإبادة الجماعية.

كصحفية شابة في غزة، أرى أن هؤلاء النساء هم أبطالي. إنهم مصدر إلهام دائم بالنسبة لي. إن قوتهم والتزامهم بتقديم التقارير في مواجهة الخطر والنزوح والخسارة الشخصية يظهر لي ما يعنيه حقًا أن تكون صحفيًا.

لقد عدت بنفسي إلى الصحافة في يونيو/حزيران 2024. وفي الأشهر التي تلت اندلاع الحرب، شاهدت العالم ينهار من حولي دون أن أعرف كيف أرد. لقد وصلت إلى نقطة حيث أخذت الإبادة الجماعية مني الكثير حتى أنها أصبحت لا تطاق.

الكتابة أعطتني إحساسًا بالهدف. لقد أصبح متنفسًا لمشاعري وطريقة لمعالجة الخوف والحزن والارتباك الناتج عن عيش الإبادة الجماعية.

يبدو أن توثيق ما كان يحدث في غزة هو أحد الأشياء القليلة التي في وسعي. أشعر الآن بمسؤولية بسيطة ولكنها عاجلة: إذا لم أروي هذه القصص، فمن سيفعل؟

أرشفة واقعنا أصبحت شكلاً من أشكال المقاومة. كل صورة وكل شهادة تثبت أن الفلسطينيين موجودون، وهذه أرضنا، ومجتمعاتنا مهمة، ولا يمكن للعالم أن يتظاهر بأنه لا يعرف.

الصحافة بالنسبة لي لا تقتصر على إعلام الجمهور. يتعلق الأمر بالحفاظ على الذاكرة في مكان تحاول قوى التاريخ محوه.

أنا أعرف المخاطر.

أعلم أيضًا أن العالم لا يستمع دائمًا.

لكنني مصمم على الاستمرار على أي حال.

هكذا أكرم الصحفيات في غزة اللاتي ضحين بحياتهن من أجل نقل الحقيقة ورفضن السماح للعالم بالمشاهدة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

رابط المصدر