أدى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المستمر على إيران، والذي بلغ ذروته باغتيال المرشد الأعلى الإيراني يوم السبت الماضي، إلى إحياء التوترات العسكرية والسياسية بين لبنان وإسرائيل، حيث يحتل حزب الله مركز الصدارة مرة أخرى في مواجهة الأزمة الأكثر وجودية في تاريخه. إن كل جانب من جوانب الموقف السياسي لحزب الله في لبنان، وقدراته العسكرية، وخططه الحربية ضد إسرائيل، يخضع الآن لتدقيق مكثف من قبل الجهات الفاعلة الإقليمية والمحلية.
كانت الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية هادئة نسبياً منذ الاتفاق على وقف إطلاق النار الأخير بين حزب الله وإسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 – “هادئ” أي أنه عندما يناقش حزب الله والحكومة اللبنانية بانتظام ما إذا كان سيتم تنفيذ خطة الحكومة لنزع سلاحه، تنتهك إسرائيل وقف إطلاق النار يومياً، وتقصف وتقتل العشرات من الأشخاص. من أرض لبنان.
تغير كل ذلك بين عشية وضحاها بعد أن شن حزب الله هجوماً منخفض الشدة ولكنه رمزي للغاية بالصواريخ والطائرات بدون طيار ضد شمال إسرائيل في وقت سابق من هذا الأسبوع، وهو الهجوم الذي ردت عليه إسرائيل بتفجيرات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 35 لبنانياً وأجبرت عشرات الآلاف على إخلاء حوالي 55 قرية في الجنوب. كما استدعت إسرائيل أكثر من 100 ألف جندي احتياطي للمشاركة في عملية عسكرية مخطط لها في لبنان لإسكات أسلحة حزب الله. أعلنت الحكومة اللبنانية، على نحو غير معتاد، يوم الاثنين “حظرا فوريا على جميع الأنشطة الأمنية والعسكرية لحزب الله” والتي تعتبر الآن “غير قانونية”، وطالبت الجماعة بتسليم أسلحتها.
أثار إحياء الجبهة اللبنانية الإسرائيلية أثناء الغزو الأميركي الإسرائيلي لإيران على الفور تساؤلات يصعب الإجابة عليها بمصداقية. ما مدى قدرة حزب الله عسكرياً بعد الهجوم المميت في عام 2024؟ فهل هي مستعدة للعودة إلى الحرب ضد إسرائيل بشكل مستمر، أم أن الهجوم هو تعبير عن التضامن مع إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني يوم السبت الماضي؟ فهل قرر حزب الله مهاجمة إسرائيل، أم أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في طهران هو من اتخذ القرار؟ فهل تقصف إسرائيل بشكل روتيني عشرات الأهداف في لبنان وتقتل حزب الله وغيره من زعماء المقاومة، أم ترسل قوات برية لاستعادة جنوب لبنان؟ وهل ستمضي الحكومة اللبنانية في تنفيذ خططها الرامية إلى نزع سلاح حزب الله بالقوة، الأمر الذي يهدد بتفاقم التوترات السياسية والعرقية في بلد مفلس اقتصادياً ومنقسم بشدة؟
وسوف تؤثر نتيجة هذه اللحظة المتصاعدة من التوتر والصراع على الوضع السياسي والعسكري في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تعكس الجهات الفاعلة الرئيسية فيها على وجه التحديد أهم الديناميكيات التي شكلت -ودمرت غالبا- الشرق الأوسط بأكمله على مدى القرن الماضي. وتشمل هذه: الحكومات والهويات الوطنية، والجهات المسلحة غير الحكومية والهويات دون الوطنية، وإسرائيل، والقوى الاستعمارية الغربية، والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط.
ومن الجدير بالذكر أن المواطنين العاديين في جميع أنحاء الشرق الأوسط يغيبون بشكل ملحوظ عن قائمة الجهات الفاعلة هذه، والذين ليس لديهم عادةً أي رأي في اختيار حكوماتهم أو تشكيل سياساتهم الوطنية. إن كيفية تفاعل هذه القوى في لبنان في الأسابيع والأشهر المقبلة ستساعد في تشكيل نتائج أوسع في المنطقة، مرتبطة بديناميكيات أخرى بما في ذلك الحرب ضد إيران والعلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى والصين وروسيا. سيتم الكشف في الأشهر المقبلة عن مدى فعالية جيش حزب الله في مواجهة القوات الإسرائيلية داخل لبنان أو مهاجمة إسرائيل من الجو.
والسؤال الكبير الآن هو لماذا قرر حزب الله إعادة الاشتباك عسكرياً مع إسرائيل في هذه المرحلة، نظراً لضعف حالته والضغوط السياسية داخل لبنان.
ويبدو أن جزءاً من التفسير يتلخص في أن الانتظار ينطوي على مخاطر خاصة: المزيد من الهجمات الإسرائيلية، وتعميق الضغوط السياسية داخل لبنان، وضعف احتمالات قدرة إيران على الحفاظ على دعمها. إن الجواب يصبح أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، حيث يعتقد كل من إيران وحزب الله أنهما يواجهان لحظة وجودية من البقاء أو الدمار بسبب الهجوم على إيران وضعف حزب الله غير المؤكد أمام الضغوط المحلية والإسرائيلية والأمريكية.
لقد فقد حزب الله بعض الدعم الشعبي في لبنان بسبب موقعه العسكري الضعيف والصدمة التي تعرض لها العديد من اللبنانيين الذين سئموا التعامل مع الحرب المستمرة والدمار والتشريد والفقر. والأهم من ذلك، أنه يبدو أنه يفقد دعم حليفه القديم نبيه بري، رئيس البرلمان الشيعي وزعيم حركة أمل، الذي عمل لفترة طويلة كجسر سياسي مهم بين حزب الله والدولة اللبنانية. وزراء حركة أمل يصوتون على قرار حكومي بحظر النزعة العسكرية لحزب الله.
إن الهجمات على إيران وقادتها جعلت حزب الله يدرك موقعه غير المستقر وسط ثلاث ديناميكيات: مجاله السياسي والعسكري في لبنان يتعرض للضغوط؛ وقد تكون إيران متضررة للغاية بحيث لا تستطيع مواصلة دعمها لحزب الله؛ والضغط الأمريكي الإسرائيلي لمواصلة مهاجمة لبنان من خلال دفع حكومة بيروت نحو نوع من الاتفاق مع إسرائيل، على الأقل ترتيب عدم وقف إطلاق النار إن لم يكن اتفاق سلام كامل.
وإذا انتظر حزب الله وقتاً طويلاً قبل أن يقاوم إسرائيل عسكرياً، فقد يجد نفسه في حفرة لن يتمكن من الخروج منها سالماً. هذا الواقع دفع الحزب إلى التراجع منذ أشهر عن وعده لبري بعدم استئناف الحرب مع إسرائيل، وهو ما كان بري يكرهه، مما أضعف تحالفهما التقليدي.
ويعترف حزب الله أيضاً بأن “محور المقاومة” الذي تقوده إيران – والذي يضم حزب الله، وإيران، وحماس، وأنصار الله في اليمن، وقوات الحشد الشعبي في العراق – قد تم إضعافه بسبب الضربات العسكرية ضد جميع الجماعات المكونة له. إن حزب الله وإيران يشكلان المركز الحاسم، وكل منهما يشعر الآن أنه يتعين عليه أن يقاتل بكل ما أوتي من قوة لإجبار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلا فإن مصيرهما الفشل.
والسؤال المهم الذي لم تتم الإجابة عليه الآن هو ما إذا كانت القدرات العسكرية لإيران وحزب الله كافية للصمود في وجه أي هجوم شرس لا هوادة فيه ضدهما، وبالتالي فرض وقف إطلاق النار. ليس هناك شك في رغبتهم في القتال. ومهما كانت الحروب الحالية في جميع أنحاء المنطقة بالنسبة لحزب الله وإيران – ضحايا بعد الهزيمة أو النصر أو الهدنة الناجمة عن الجمود – فإن الشرق الأوسط سيشهد تغيرات هيكلية في التحالفات الإقليمية والعالمية التي تعكس التوازن السياسي والأيديولوجي الجديد في جميع أنحاء المنطقة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.












