لقد دخل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تقلبا، تتسم بالضربات العسكرية المباشرة، والخطابات المتصاعدة، والتآكل المستمر للعقوبات المفروضة منذ فترة طويلة. فمن الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية إلى الانتقام المدروس من جانب طهران في مختلف أنحاء المنطقة، أصبحت المخاطر المتزايدة حقيقية وليست نظرية. وبالنسبة لدول الخليج، التي يتعرض استقرارها الأمني والاقتصادي بشكل مباشر للصراع الأميركي الإيراني، فإن التداعيات فورية. وفي ظل هذه البيئة، ينبغي فهم دبلوماسية قطر بين واشنطن وطهران: ليس باعتبارها حيادًا في حد ذاتها، ولكن كجهد محسوب لاحتواء مخاطر التصعيد.
كان لفترة التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران عواقب بعيدة المدى تتجاوز واشنطن وطهران. بعد موجة الاحتجاجات داخل إيران، والتي أدت، وفقًا لتقديرات مختلفة، إلى مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، ازدادت حدة الخطاب بين طهران وواشنطن بشكل كبير. وشمل ذلك تهديد الرئيس ترامب بالتدخل نيابة عن المتظاهرين، وهو تطور زاد من إلحاح الدبلوماسية في منطقة الخليج. إن جغرافية الخليج والبنية التحتية المركزية للطاقة والبيئة الأمنية المترابطة تعني أنه حتى الصراع المحدود يهدد بامتداد آثار إقليمية سريعة. على هذه الخلفية، أعطى النهج القطري تجاه واشنطن وطهران الأولوية باستمرار لخفض التصعيد والوساطة والحفاظ على القنوات السياسية في وقت أصبحت فيه هذه القنوات هشة بشكل متزايد.
برزت قطر كوسيط فعال وذو مصداقية في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث قدمت وسائل عملية ساعدت في منع تصاعد الأزمة. وبالاعتماد على علاقتها الدائمة مع طهران وشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، تحتفظ الدوحة بقنوات سرية وموثوقة تسمح لكلا الجانبين بالتواصل عندما تصبح المشاركة المباشرة مقيدة سياسياً. وقد مكّن هذا الموقف قطر من تسهيل نتائج عدم التصعيد التي حفظت ماء الوجه لكلا الجانبين، وتعزيز دورها كوسيط يخلق مساحة سياسية للاعتدال بدلاً من الصراع.
وقد تجلى هذا الدور بشكل واضح في سبتمبر/أيلول 2023، عندما ساعدت قطر في تسهيل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لأغراض إنسانية، فضلاً عن تبادل الأسرى بين إيران والولايات المتحدة. وتتطلب العملية أشهراً من المفاوضات غير المباشرة، والتسلسل الدقيق والضمانات السياسية من كلا الجانبين. ورغم أن الاتفاق لم يشير إلى تقارب أكبر، فإنه أكد على نقطة مهمة: حتى في خضم الأعمال العدائية العميقة، فإن الدبلوماسية ممكنة إذا توفر وسيط جدير بالثقة.
بالنسبة للدوحة، فإن هذه الوساطة ليست غاية في حد ذاتها. فهو يعكس قناعة أوسع نطاقاً بأن القضية النووية الإيرانية، والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران بشكل عام، لا يمكن إدارتها بشكل مستدام من خلال القوة وحدها. لقد انضمت قطر باستمرار إلى وجهة النظر القائلة بأن الحوار، وليس العمل العسكري، هو السبيل الفعال الوحيد لاحتواء المخاطر ومنع التصعيد. وهذا الموقف لا يعني عدم الاكتراث بسلوك إيران الإقليمي أو مخاوفها بشأن الانتشار النووي. بل إنه يعكس بدلاً من ذلك تقييماً للتكاليف والشكوك والعواقب غير المقصودة على الأمن الإقليمي. على هذا النحو، حتى بعد الهجوم الصاروخي الإيراني المدروس على قاعدة العديد الجوية في قطر ــ وهي منشأة عسكرية قطرية تستضيف قوات أمريكية ــ في يونيو/حزيران 2025 ردا على هجوم أمريكي على المنشآت النووية الإيرانية، تحركت الدوحة بسرعة لإشراك الجانبين ونزع فتيل الأزمة. ومن خلال التواصل العاجل وقنوات الاتصال القائمة، ساهمت قطر في جهود أوسع لدعم وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه على نطاق واسع، مؤكدة على قدرتها على أن تكون فعالة في الوساطة والثقة في الدبلوماسية القطرية.
ويكاد يكون من المؤكد أن أي صراع عسكري يهدف إلى الإطاحة بالنظام الإيراني من شأنه أن يخلف عواقب قد تمتد إلى ما هو أبعد من حدود إيران. داخلياً، يهدد مثل هذا الوضع بانهيار الدولة وتفكك السلطة وإعادة تسييس الهويات العرقية والطائفية داخل مجتمع كبير ومعقد للغاية. وعلى الصعيد الخارجي، يمكن أن تشمل الآثار غير المباشرة تحركات واسعة النطاق للاجئين نحو الدول المجاورة، بما في ذلك عبر الخليج، فضلاً عن اضطرابات خطيرة في الأمن البحري وأسواق الطاقة. إن هذه النتائج مجتمعة ستشكل تحديات فورية لدول الخليج التي يرتبط استقرارها ارتباطًا وثيقًا بالسلام الإقليمي.
لقد أدت التطورات الأخيرة في المنطقة بالفعل إلى تحويل التوازن الاستراتيجي. منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والصراع الإقليمي الذي أعقبه، تعرضت شبكة إيران من الجهات الفاعلة غير الحكومية المتحالفة لضغوط مستمرة. وقد تم إضعاف العديد من عناصر “محور المقاومة” عسكرياً وسياسياً، مما قلل من قدرة طهران على ممارسة نفوذها في بعض المسارح. وفي الوقت نفسه، تبدد الضربة الأميركية على إيران في يونيو/حزيران 2025 المفاهيم الخاطئة المتبقية حول رغبة واشنطن في ضرب إيران بشكل مباشر وتقليص قدراتها في مجال التخصيب النووي.
لكن من وجهة نظر خليجية، فإن المزيد من النمو يؤدي إلى عوائد متضائلة. إن إضعاف نفوذ إيران الإقليمي لا يترجم تلقائياً إلى استقرار إقليمي، وخاصة إذا تم اتباعه من خلال استراتيجيات تهدد بانهيار الدولة. بالنسبة لدول الخليج، فإن الأولوية ليست إجراء إصلاح جذري للنظام السياسي الإيراني، بل تجنب الفوضى التي قد تكون مكلفة، ولا يمكن التنبؤ بها، ويصعب احتواؤها. ولا يقتصر هذا التقييم على الدوحة. وفي السنوات الأخيرة، أصبح موقف قطر متوافقاً بشكل متزايد مع موقف المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، وكلاهما استثمرا في الحد من التوترات من خلال الحوار وإجراءات بناء الثقة مع طهران. وتعكس جهودهم لإيصال مخاطر التصعيد العسكري إلى إدارة ترامب مزاجا إقليميا أوسع، يفضل الاحتواء والمشاركة على الصراع. ويعتبر هذا التقارب ملحوظا نظرا للاختلافات السياسية التي فصلت تاريخيا بين عواصم الخليج.
وتوفر جهود الوساطة القطرية مسارا يساعد على منع الفوضى الإقليمية في وقت حيث يؤدي النمو إلى عوائد متناقصة بشكل متزايد. ومن خلال إبقاء القنوات مفتوحة، وتسهيل الصفقات المحدودة وتثبيط أقصى قدر من المناورة، تسعى الدوحة إلى تقليل احتمالات سوء التقدير. ونادرا ما تؤدي هذه الجهود إلى تقدم كبير، وغالبا ما تكون غير مرئية بحكم تصميمها. ومع ذلك فإن غيابهم من المرجح أن يجعل النمو أكثر احتمالا، وليس أقل.
وفي بيئة إقليمية متزايدة الاستقطاب، من السهل التغاضي عن قيمة خفض التصعيد. فهو يفتقر إلى وضوح المقاومة وحماسة العمل العسكري. ومع ذلك، وكما يوضح انخراط قطر بين واشنطن وطهران، فإن الدبلوماسية، مهما كانت تدريجية وغير كاملة، هي إحدى الأدوات القليلة القادرة على منع الأزمة من التصاعد إلى صراع أكبر. وفي منطقة حيث يتم تقاسم تكاليف الحرب خارج ساحة المعركة، لا ينبغي لنا أن نتجاهل هذه المساهمة باستخفاف.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.











