يحاول المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي في اليمن خلق واقع من خلال التقدم الأخير في محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد.
وتسلط جهودها العسكرية هذا الشهر الضوء على أن الصراع في اليمن – المستمر منذ أكثر من عقد من الزمان – لا يمكن اختزاله في صراع بين الحكومة المعترف بها دوليا والحوثيين. وبدلاً من ذلك، تظهر خريطة نفوذ متداخلة واضحة على الأرض حيث تتنافس سلطات الأمر الواقع على الأمن والموارد والتمثيل.
قصص مقترحة
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة
في قلب هذه التغييرات، يوجد المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من قوة إقليمية، والذي يقف الآن كأقوى ممثل في جنوب اليمن وأجزاء من شرقه، في حين أن قدرة الحكومة على فرض إدارة موحدة على البلاد بأكملها بعيدة ويعاني الاقتصاد.
وما قالته الحكومة اليمنية في هذا السياق هو قرار صندوق النقد الدولي بتعليق عملياته في البلاد. وبينما لم يعلق صندوق النقد الدولي علنًا على الأمر، حذر الرئيس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، يوم الأحد من أن القرار كان بمثابة “جرس إنذار” وإشارة مبكرة إلى زيادة الإنفاق الأمني والعسكري في حضرموت والمهرة.
وشدد العليمي على أن الوضع الاقتصادي في اليمن -البلاد من أفقر دول المنطقة وعانت كثيرا خلال الحرب- لا يمكن أن يصمد أمام أي توترات جديدة. وأضاف أن عدم الاستقرار الأمني في شرق اليمن سيؤثر بشكل فوري على تسليم الرواتب والوقود والخدمات، وثقة المانحين الدوليين.
وبحسب العليمي فإن الحل يكمن في سحب القوات من خارج محافظتي حضرموت والمهرة، واصفا إياها بالخطوة الضرورية لضبط التوترات واستعادة الثقة مع المجتمع الدولي.
لكن هذا الحذر الاقتصادي لا يمكن فهمه بمعزل عن التحول في السلطة في شرق اليمن، حيث كان التنافس على النفوذ سبباً مباشراً للتوترات التي تثير قلق الجهات المانحة.
توازن جديد للقوى
إن المجلس الانتقالي الجنوبي واضح في أن هدفه هو الانفصال في نهاية المطاف عن مناطق اليمن – جنوبها وشرقها – التي كانت تشكل في السابق دولة جنوب اليمن قبل توحيدها في عام 1990.
وهي تعارض الحوثيين، الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء وجزء كبير من شمال غرب اليمن المكتظ بالسكان، وزعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، لديه رسميًا مقعد في مجلس القيادة الرئاسية للحكومة كأحد نواب رئيسه.
وسبق أن خاضت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية معارك، خاصة في عامي 2018 و2019، في محافظة عدن وما حولها.
إن توسعها الحالي شرقاً، الذي يركز على القوات الحكومية وحلفائها، هو جزء من الانقسام المستمر في المعسكر المناهض للحوثيين، ولكنه يستعيد توازن القوى، ويحول حضرموت والمهرة الغنية بالموارد إلى ساحة تنافس متعددة الأحزاب.
وينتج عن ذلك ثلاثة اتجاهات معاصرة: توسع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إقليمي، ورغبة القوى المحلية والقبلية – المستقلة عن المجلس الانتقالي الجنوبي – في تعزيز وجودها، وأدوات الحكومة المحدودة بشكل واضح لمواجهة منافسيها.
والنتيجة هي المزيد من تجزئة الدولة إلى ثلاثة مستويات مترابطة.
سياسياً، هناك انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثي نفسه مع تعدد مراكز صنع القرار. وتجد الحكومات والجهات الفاعلة الإقليمية صعوبة أكبر في دمج سياسات الأمن والحكم، كما تآكلت فكرة وجود “سلسلة قيادية” واحدة تسيطر على المنطقة الخاضعة للسيطرة المناهضة للحوثيين.
وعلى الصعيد الجغرافي، تم الآن تشكيل خطوط اتصال جديدة. وبينما كانت خطوط السيطرة في السابق بين الحوثيين والقوات الحكومية، فإنها تقع الآن ضمن مناطق رمادية يتنازع عليها الحوثيون وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي وكذلك القوات المحلية والقبلية ومجموعات عسكرية متعددة.
ومن ثم هناك التشرذم على المستوى التمثيلي، والخلافات حول من يتحدث فعلياً باسم الجنوب وحضرموت، والانهيار العملي لفكرة الدولة الواحدة كإطار سيادي لإدارة الموارد والمؤسسات.
وفي حضرموت والمهرة، يعتبر التجزئة حساساً بشكل خاص لأن كلتا المحافظتين تضمان معابر حدودية مهمة مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وخط ساحلي طويل به طرق مرتبطة بالتجارة والتهريب والهجرة غير النظامية.
هنا لا يوجد خلل موضعي؛ وسرعان ما انتشر في جميع أنحاء المنطقة.
الاقتصاد رهينة للأمن
ولا يحمل تعليق عمليات صندوق النقد الدولي آثارا مالية فحسب، بل يحمل أيضا درسا سياسيا مفاده أن البيئة الأمنية والمؤسسية لم تعد توفر الظروف الملائمة لاستدامة برامج الدعم.
تعتمد الدولة اليمنية بشكل كبير على مواردها المحدودة والمساعدات الخارجية الهشة، وبالتالي فإن أي انقطاع في مناطق الموارد أو الموانئ أو طرق الإمداد يترجم إلى ضغط فوري على سبل العيش.
وتؤدي التطورات العسكرية الأخيرة إلى زيادة الضغوط على أسعار الصرف والحكومات للوفاء بالالتزامات المالية وتوسيع فجوة الثقة بين المجتمع والدولة، مما يحفز البدائل غير المؤسسية القائمة على التعريفات الجمركية والولاء.
ومن شأنه أن يقلص مجال المناورة أمام الحكومة، مما يعني أن الحكومة ستضطر إلى النظر في تكاليف أي تصعيد لأن أي عمل عسكري من شأنه أن يرفع فاتورة اقتصادية لا تستطيع دفعها ويستنزف قدرة الحكومة المتبقية على إدارة الخدمات.
ومع ترسيخ فكرة أن اليمن أصبح “جزيرة نفوذ”، قد تميل بعض الجهات الخارجية إلى التعامل مباشرة مع السلطات المحلية على حساب الحكومة، مما يؤدي إلى إضعاف المركز السياسي بدلاً من المساعدة في تقويته.
ولهذا السبب فإن التطورات الأخيرة مهمة للغاية، إن لم تكن معدومة، بالنسبة للحكومة والعليمي. إن دعوته لانسحاب القوات الخارجية من حضرموت والمهرة هي جزء من محاولة لوقف تآكل الثقة في اليمن وإظهار الحكومة باعتبارها قادرة على كبح جماح الفصائل الأخرى في المعسكر المناهض للحوثيين، بشرط توفير الظروف السياسية والاقتصادية المعقولة.
ويحقق الحوثيون مكاسب بينما يظل خصومهم منقسمين
وقد استفاد الحوثيون، الذين أطاحوا بالحكومة في صنعاء في انقلاب عام 2014، من التطورات في حضرموت والمهرة دون أن يكونوا متورطين بشكل مباشر.
وكل صراع على النفوذ في المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة يمنحها مزايا واضحة، بما في ذلك عزل جبهاتها المتعارضة وحقيقة أن منافسيها منخرطون في صراعات داخلية وليس من قبل الحوثيين.
وفي المعسكر المناهض للحوثيين، تتضاءل فكرة الجبهة الموحدة كلما حدث صدام عسكري بين مكوناتها، ويتحول النقاش من مواجهة الحوثيين إلى الخلاف على السلطة والموارد داخل المعسكر نفسه.
كما أن الانقسام بين المعسكرات المناهضة للحوثيين وبُعدها الإقليمي يسمح للحوثيين بتعزيز روايتهم بأن منافسيهم يعملون ضمن أجندة خارجية، على عكس الحوثيين، الذين يصورون أنفسهم على أنهم جهات فاعلة مستقلة قادرة على اتخاذ قراراتها الخاصة.
علاوة على ذلك، فإن الصراع الأخير وتداعياته يؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين الموقف التفاوضي للحوثيين المتمثل في أن الجانب الآخر أكثر انقسامًا وضعفًا. سيدخل الحوثيون إلى أي تسوية قادمة من موقع تنظيمي وإداري أكثر تماسكاً، مما سيرفع سقف شروطهم.
قد يكون لدى الحوثيين توترات اقتصادية واجتماعية خاصة بهم، لكن الانقسام بين أعدائهم يمنحهم وقتًا إضافيًا للحفاظ على اقتصاد الحرب وأجهزتهم الرقابية والأشخاص الذين يحكمونهم.
تزايد المخاطر على المستويين المحلي والإقليمي
وتزيد الأحداث الجارية في اليمن من عدد المخاطر المتداخلة.
داخلياً، تقلل الخطوط الأمامية من احتمالية أن تصبح حدوداً فعلية بين الكيانات المتجاورة، مما يؤدي إلى اتساع الفجوات الأمنية وإنشاء عقد اجتماعي موحد.
وعلى الصعيد الإقليمي، قد تتوسع المناطق التي تعتبر خارجة عن القانون على طول حدود المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، مما يزيد من خطر التهريب ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف إدارة أمن الحدود.
على الصعيد الدولي، تؤدي الحاجة المتزايدة للقوى العالمية للتواصل مع أطراف متعددة في اليمن إلى إطالة أمد الأزمة وزيادة احتمالات تدويل الصراع من خلال التنافس على الموانئ والموارد وطرق الشحن.
ومع ذلك، فإن الصورة المرسومة لا تعني نصراً حاسماً لأي من الجانبين، بل تخلق بدلاً من ذلك فسيفساء من السلطات، ربما تتطلب رعاية خارجية. وهذا سيؤدي حتماً إلى تقويض إمكانية إقامة دولة مستقرة.
طريقة للخروج؟
فالاتفاق الجزئي على إعادة انتشار القوات ليس كافيا لنزع فتيل التوترات. وبدلا من ذلك، يتطلب الطريق إلى الأمام نهجا شاملا يقوم على ثلاث ركائز مترابطة.
أولاً، يجب إعادة تعريف المشروع الوطني من خلال خلق رؤية للدولة تضمن المشاركة العادلة لجميع مناطق اليمن ضمن إطار اتحادي فعال، وتعيد تعريف المركز السياسي باعتباره الضامن للحقوق والخدمات.
ثانياً، يجب أن يرتكز الأمن على نموذج القوى المحلية تحت مظلة وطنية. وفي حضرموت والمهرة، ينبغي أن يتم ذلك من خلال بناء قوات محلية محترفة ضمن إطار وطني وقانوني واضح، مع آليات عملية لانسحاب القوات الخارجية، ومن خلال ضمان التوحيد في عملية صنع القرار الأمني عبر مؤسسات الدولة.
ثالثاً، يتطلب ربط الدعم الدولي بخطة إصلاح قابلة للتنفيذ مع التزام واضح بحماية الامتيازات السيادية في ظل الإدارة المركزية، التوصل إلى اتفاق شفاف بشأن إدارة الموارد في المحافظات، والتوزيع العادل للإيرادات، واتفاق اقتصادي لاستعادة الثقة من خلال ربط الدعم الدولي.
وفي غياب هذه الخطوات، سيتجه اليمن نحو نموذج العزلة التدريجية عن المحيط، حيث تتقدم الكيانات المسلحة الأكثر تكاملاً وتتوسع هوامش المنافسة.
وإذا استمر هذا الأمر، فإن الاقتصاد سيكون الضحية الأولى للتشرذم، مما يجعل الوضع أكثر صعوبة بالنسبة لملايين اليمنيين.
وسوف تتحول أزمة الحكم في نهاية المطاف إلى أزمة استقرار مطولة، وسيكون من الصعب احتواء تأثيرها محليا أو حتى إقليميا.
سعيد ثابت هو رئيس مكتب شبكة الجزيرة الإعلامية في اليمن











