وتخضع إيران الآن لتعتيم شبه كامل للإنترنت لأكثر من يومين، مما يحد بشكل كبير من قدرة المواطنين الإيرانيين على التواصل مع العالم الخارجي ويحيط بالغموض ما يحدث داخل البلاد.
“البشر أعضاء كاملة مكونة من جوهر وروح واحدة. إذا تألم أحد الأعضاء، ستبقى الأعضاء الأخرى غير مريحة. إذا لم يكن لديك أي تعاطف مع الألم البشري، فلن تتمكن من الحفاظ على اسم الإنسان.” – سعدي الشيرازي، شاعر فارسي في القرن الثالث عشر
منذ الليلة الماضية، تمت تصفية عدد محدود فقط من الصور ومقاطع الفيديو للجمهور العالمي. ومع ذلك، تظهر هذه المقتطفات أنه على الرغم من الإغلاق، لا يزال المتظاهرون مصممين. علاوة على ذلك، يقول المراقبون إن انقطاع التيار الكهربائي أدى إلى تكثيف الشعور بإلحاح المشكلة، فضلاً عن زيادة المخاطر على الأرض.
وظهر الشعار نفسه بشكل متكرر في العديد من مقاطع الفيديو التي تم بثها قبل قطع الاتصال: “لم نعد خائفين. سنقاتل”.
ويصر العديد من الإيرانيين على أن روح القتال لم تنشأ بين عشية وضحاها، بل هي نتيجة 47 عاماً من القمع والإذلال والمصاعب الاقتصادية وإسكات المعارضة. ويزعم أنصار الاحتجاجات أنها صوت جيل تم إسكاته لفترة طويلة، ويطالب الآن باستعادة الاحترام والحق في المستقبل، وأن العالم يجب أن يستمع.
لماذا يهم الوقت
ويقول المحللون إن تلك اللحظات، التي تنقطع فيها الاتصالات، كانت الأكثر خطورة تاريخيا. وعندما تختفي الصور والأدلة الحية والتحقق المستقل، يواجه المسؤولون قدرا أقل من التدقيق العام.
ما قد يحدث خلال الساعات المقبلة قد يحدد:
- هل ستستمر الاحتجاجات في الانتشار أم سيتم قمعها بعنف؟
- هل تتراجع القوات الأمنية أم تنشط بكامل طاقتها؟
- فهل يشكل الاهتمام الدولي عائقا، أم أن غيابه يزيد التوترات؟
ويقول المراقبون إن التركيز لا ينصب على التنبؤ بكيفية انتهاء الأحداث، بل على تحديد نقاط التحول. وتظهر التجارب السابقة في إيران أن فترات الصمت القسري كانت مصحوبة في كثير من الأحيان بزيادات حادة في أعمال العنف.
الإبداع كشكل من أشكال المقاومة والتحدي
وعلى الرغم من التعتيم، استخدم الإيرانيون التعبير الإبداعي كشكل من أشكال المقاومة ضد القمع والرقابة.
تشمل أعمال المقاومة الرمزية ما يلي:
- استخدام الحمامة البيضاء كرمز لاستقلال إيران.
- إزالة شعار الجمهورية الإسلامية من العلم الإيراني واستبداله بشعار الأسد والشمس القديم.
- وإشادة بصرية قوية مستوحاة من رجل جلس أعزل على الأرض في مواجهة قوات الأمن في اليوم الأول من الاحتجاجات.
صورة واحدة، على وجه الخصوص، كان لها صدى عميق. ومن زاوية أخرى للكاميرا، يمكن رؤية حشد من الناس يجلسون خلفه – وبعد ذلك، وبشكل لا يصدق تقريبًا، يجلس ضباط الأمن أيضًا، وينزلون إلى نفس المستوى.
وقد تبدو هذه الصورة غير واقعية، خاصة في ظل بيان رسمي أصدره الجيش يؤكد ولاءه العسكري للمرشد الأعلى. ولكن هذا ما حدث في كثير من الحوادث في الآونة الأخيرة.
قبل وقت ليس ببعيد، كان ما يحدث الآن يبدو غير قابل للتصور. ومع ذلك أصبح حقيقة.
القوى الأمنية: هل ستبقى موحدة أم ستتفكك؟
والسؤال الرئيسي هو ما إذا كانت الاحتجاجات المستمرة يمكن أن تخلق انقسامات داخل قوات الأمن، مما يدفع بعض الجنود إلى الوقوف إلى جانب الجمهور.
وأثارت تعليقات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشادت بالمتظاهرين في مدن مثل مشهد، مسقط رأس المرشد الأعلى الإيراني، وكذلك الادعاءات بأن قوات الأمن تنسحب، التكهنات. التأكيدات المستقلة محدودة، لكن المحللين يقولون إن الصعوبات الاقتصادية تؤثر على الجنود وأسرهم بقدر ما تؤثر على المدنيين.
وفي الوقت نفسه، يحذر آخرون من استخلاص استنتاجات سابقة لأوانها. ويعتقد البعض أن الحرس الثوري الإسلامي قد يقرر أن التدخل الشامل هو وحده القادر على استعادة السيطرة، حتى مع المخاطرة بتعميق التوترات الداخلية.
وقال المحلل الإقليمي: “لا توجد علامات واضحة حتى الآن على حدوث تحول حاسم في ميزان القوى”. “قد يختار النظام القمع لفترة طويلة بدلاً من الانهيار، حتى لو أدى ذلك إلى عدم الاستقرار على المدى الطويل”.
ومما زاد من المخاوف أن تقارير لم يتم التحقق منها كشفت عن تورط قوات وكيلة لإيران، بما في ذلك أعضاء قوات الحشد الشعبي العراقية (الحشد الشعبي)، في جهود قمع الاحتجاجات.
وعلى الرغم من صعوبة التحقق من مثل هذه الادعاءات في حالة انقطاع التيار الكهربائي، إلا أن المحللين يقولون إن هناك سابقة تاريخية لاستخدام قوات غير وطنية. وغالبا ما يستخدم كوسيلة للحد من التردد عندما يتردد الضباط في إصدار أوامر للمدنيين بإطلاق النار على أفرادهم.
رضا بهلوي و”التغيير في الإستراتيجية”
هناك عامل مهم آخر يشكل الواقع الحالي في إيران، وهو الاستجابة الشعبية غير المسبوقة للدعوة التي أطلقها رضا بهلوي، ولي العهد وابن آخر ملوك إيران.
وفي أعقاب المظاهرات الحاشدة، حث الإيرانيين على البقاء في الشوارع، بهدف واضح هو الاستيلاء على مراكز المدن والسيطرة عليها.
كما دعا ترامب إلى الاستعداد لاتخاذ إجراءات لدعم الشعب الإيراني. كما ناشد العاملين في القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وخاصة النفط والطاقة، المشاركة في الإضرابات على مستوى البلاد، وهي خطوة تذكرنا بالتكتيكات التي استخدمت خلال الأشهر الأخيرة من حكم والده في عام 1979.
وبالنسبة للعديد من الإيرانيين، تحمل هذه الاستراتيجية صدى تاريخيًا عميقًا. وفي الفترة 1978-1979، لعبت الإضرابات في الصناعات الإستراتيجية دورًا مهمًا في إضعاف الدولة. ومن غير الواضح ما إذا كان نهج مماثل قد ينجح في الظروف الأمنية الحالية، لكن المحللين يقولون إن المكالمة نفسها تشير إلى الثقة في أن الوضع قد وصل إلى مرحلة حاسمة.
الصمت كعمل سياسي
وفي الثقافة السياسية اليوم، يرى العديد من الناشطين أن الصمت ليس محايداً. وكثيراً ما يُفسَّر هذا على أنه قبول ضمني للوضع الراهن، وبالتالي قمع.
ولهذا السبب، يؤكد المتظاهرون على أهمية الاستجابات الدولية، ويشددون على أنها لا يمكن أن تقتصر على البيانات المثيرة للقلق. وبدلاً من ذلك، يزعمون أن الرؤية والضغط والتدابير الملموسة هي الأكثر أهمية.
وحذر من أن ما يحدث في إيران لن يقتصر على حدودها. وسوف يؤثر ذلك على الاستقرار الإقليمي، وأنماط الهجرة، وأسواق الطاقة العالمية، ومصداقية القيم التي تدعي العديد من الحكومات الغربية أنها تتمسك بها. وكما كتب الشاعر السعدي منذ قرون مضت، فإن المعاناة الإنسانية لا تتجزأ.












