مع انتقال العالم من الترحيب بالعام الجديد إلى عطلة نهاية الأسبوع الأولى من عام 2026، لاحظ بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي زيادة مفاجئة في مبيعات البيتزا حول البنتاغون في الساعات الأولى من صباح يوم السبت، وهو ما تم تفسيره في دوائر غير رسمية عبر الإنترنت على أنه علامة على تحرك أمريكي وشيك في مكان ما من العالم.
وجاء ذلك بعد هجمات على فنزويلا ليل السبت، مما فاجأ معظم الناس الذين لم يتوقعوا أن يبدأ العام الجديد باعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أنه لم يكن هناك كسر: فقد أدت العديد من التطورات الجيوسياسية المهمة في مطلع العام إلى تركيز الاهتمام مرة أخرى على السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتأثيرها على حلفاء واشنطن وخصومها، من فنزويلا إلى إيران وسوريا وغيرها.
عام جديد، رسالة مألوفة
حتى في الأيام الأولى من العام الجديد، لم يفشل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه رسالة واضحة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتزامنت تصريحاته مع تطورات كبيرة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا: من الهجمات على كاراكاس وسقوط مادورو إلى العملية العسكرية ضد قواعد ما يسمى بمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في شمال نيجيريا، والتي تم تنفيذها بناءً على طلب حكومة البلاد.
وأشار بعض المحللين إلى أن الدول الثلاث – إيران وفنزويلا ونيجيريا – هي دول منتجة للنفط. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في معادلة النفط وحتى التأثير على أوبك في ظروف سوق الطاقة العالمية الحساسة.
ومع ذلك، أعلن مسؤولو صناعة النفط الفنزويلية أن المنشآت الرئيسية في البلاد، والتي تحتوي على أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لم تتضرر وأن الإنتاج والتكرير مستمران.
لا يشكل سقوط مادورو مجرد اضطراب داخلي في فنزويلا. يحمل الحادث أهمية مزدوجة بالنسبة لطهران، حيث كانت فنزويلا حليفًا وثيقًا لإيران في السنوات الأخيرة، وكان هناك تعاون اقتصادي ونفطي وأمني واسع النطاق بين البلدين.
فمن العلاقات الوثيقة بين طهران وكراكاس خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد إلى علاقاته مع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز إلى الخطط الاقتصادية واللوجستية للحكومة الإيرانية في فنزويلا.
واستندت هذه الشراكات، التي كانت مصحوبة في كثير من الحالات باستثمارات إيرانية بمليارات الدولارات، وخاصة من الكيانات التابعة للحرس الثوري الإيراني، في المقام الأول على التشابه الأيديولوجي والمعارضة المشتركة للولايات المتحدة.
والآن، مع انهيار حكومة مادورو، يظل مصير هذه الاستثمارات ومطالبات إيران المالية المؤجلة غير مؤكد، حتى في حين تواجه إيران نفسها أزمة اقتصادية حادة ونقصًا في النقد الأجنبي.
ظلال الاحتجاجات في إيران والتطورات في الخارج
ويأتي هذا التطور في وقت دخلت فيه احتجاجات الشوارع في إيران مرحلة جديدة مع انتشار الرسائل المؤيدة لترامب في عدة مدن في البلاد.
لا تعتبر الاحتجاجات الأخيرة في إيران حدثا مفاجئا أو غير متوقع بسبب الأزمة الاقتصادية العميقة وانهيار سبل عيش المواطنين اليومية. وبدلاً من أن يكون هذا الاضطراب نتيجة لأي صدمة محددة، فهو نتيجة لتراكم طويل الأمد للضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار المزمن، والتآكل التدريجي للثقة العامة ــ وهي الأزمة التي كان من المتوقع حدوثها عاجلاً أو آجلاً.
إن ما أدى إلى تفاقم السخط الاجتماعي بشكل حاد، إلى جانب التضخم المزمن، والانحدار المطرد في قيمة العملة الوطنية، والانحدار الحاد في القوة الشرائية، هو التصور الواسع النطاق للفساد البنيوي وتعميق الانقسامات الطبقية في المجتمع الإيراني.
وهذا الانقسام لا يقتصر على التفاوت في الدخل، بل ينعكس أيضاً في نمط الحياة، والقدرة على الوصول إلى الفرص، بل وحتى في لهجة ومحتوى الخطاب الرسمي الذي تستخدمه الحكومة في التعامل مع المواطنين ــ وهو الخطاب الذي يتعارض في بعض الأحيان بشكل حاد مع سلوك النخب السياسية والاقتصادية.
ولا يمكن اعتبار الانهيار المتزامن للتحالفات الاستراتيجية في أميركا اللاتينية وتصاعد الاضطرابات داخل إيران عرضياً من وجهة نظر المراقبين المحليين والأجانب.
وفي أعقاب الصراع الذي دام 12 يوماً على وجه الخصوص، وما يشير إليه بعض المحللين على أنه “فجوة أمنية” في البنية الدفاعية الإيرانية، كانت هناك بعض التكهنات غير المؤكدة في الدوائر الإعلامية حول الضعف الشديد الذي يعاني منه قادة الجمهورية الإسلامية، وعلى وجه الخصوص، إمكانية الإقالة الجسدية لعلي خامنئي.
وفي السياق نفسه، حذر المرشد الإيراني علي خامنئي مرة أخرى من أنه لن يتراجع في وجه محاولات تدمير النظام، وفرق بين “المحتجين” و”المحرضين”.
ومن غير الواضح ما إذا كان هذا الموقف قد تم تحديده قبل سقوط حكومة مادورو أم بعده، لكن تزامن الرسالة مع التطورات في فنزويلا يعتبر مهمًا في نظر الكثيرين.
وأدلى خامنئي بهذه التصريحات خلال اجتماع مع أسر الشهداء صباح السبت وأكد مجددا أنه “سيركع العدو على ركبتيه”.
من دمشق إلى كراكاس: مصير حلفاء موسكو
أثارت تجربتا سوريا وفنزويلا – الدولتان اللتان حصلتا على دعم سياسي وعسكري روسي – تساؤلات جديدة حول دور موسكو في معادلات القوة.
وعلى الرغم من دعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سقطت الحكومتان خلال فترة قصيرة من الاضطرابات الهائلة.
وقد دفعت هذه التجربة بعض المحللين إلى الحديث عن إمكانية عقد “صفقات كبرى” بين القوى العالمية، حيث يمكن تحديد مصير الحلفاء الإقليميين من خلال المساومات الجيوسياسية ــ من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وإيران أيضاً ليست استثناءً في مثل هذا التحليل.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت إيران تعتمد بشكل متزايد على روسيا، وتم توقيع اتفاقيات تعاون طويلة الأمد بين البلدين.
ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء أن هذه الاتفاقيات لا توفر بالضرورة قيمة استراتيجية دائمة للكرملين ويمكن أن تكون مكلفة لطهران إذا تغير ميزان المصالح.
خلال الصراع الذي استمر 12 يومًا، ظل دعم بوتين لإيران إلى حد كبير على المستوى السياسي والدبلوماسي، ولم تظهر أي علامات على الدعم العملي أو المقاومة العسكرية الفعالة من موسكو، أو على الأقل لم يتم الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام.
فروسيا، على الرغم من علاقاتها الاستراتيجية المعلنة مع طهران، فضلت تجنب تصعيد التوترات مع إسرائيل والولايات المتحدة، واقتصر دورها على الموقف العام الذي يدين الهجمات ويدعو إلى ضبط النفس ــ وهو النهج الذي يرى كثيرون في إيران أنه سلط الضوء مرة أخرى على براغماتية الكرملين وإعطاء الأولوية لمصالحه الخاصة.
ومع ذلك، تواصل طهران الاعتماد على روسيا، ربما ليس بسبب الثقة العميقة، ولكن بسبب الافتقار إلى البدائل في سياق العقوبات والعزلة الدولية.
إن الاعتماد المتبادل في مجالات مثل مبيعات الطاقة والتعاون العسكري والمسائل النووية وتحقيق التوازن ضد الغرب جعلها لا غنى عنها بالنسبة لإيران.
وهذا، حتى في ظل التجارب المكلفة وانعدام الثقة المتراكم، يعني الحفاظ على العلاقة مع موسكو باعتبارها شراكة استراتيجية تقوم على الضرورة والضغط أكثر من الولاء وتستند إلى الحقائق الجيوسياسية ــ وهي الشراكة التي فرضت تكلفة باهظة، إن لم تكن لا يمكن إصلاحها، على العلاقات بين طهران وبروكسل، وخاصة من خلال تعاون إيران مع روسيا في حربها في أوكرانيا.
اقتصاد مدمر ووعود متأخرة
كل هذه العوامل تلقي بظلالها على إيران التي يتعرض اقتصادها لضغوط بسبب العقوبات والتضخم المرتفع والانخفاض الحاد في القوة الشرائية لمواطنيها.
ومن وجهة نظر العديد من المنتقدين، فإن وعود السلطات بتحسين مستويات المعيشة أشبه بمسكنات قصيرة الأجل أكثر من كونها حلولاً عملية ــ الحلول التي تقدم متأخرة ولها نطاق محدود للتأثير، ومؤخراً، مع تعمق الأزمة الاقتصادية، انتقل كثيرون إلى ما هو أبعد من “العلاج بعد الموت”.
وهم يفسرون هذه العلاجات على أنها علاجات غير فعالة لم تتمكن بعد من علاج الأمراض العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني.
إن سقوط الحكومات التي كانت لها علاقات وثيقة وودية مع الجمهورية الإسلامية في السنوات الأخيرة، من بشار الأسد في سوريا إلى مادورو في فنزويلا، يثير حتما مسألة الرسالة التي ترسلها هذه الأحداث إلى طهران.
فهل هذه الأحداث هي ببساطة نتيجة للظروف الداخلية لكل دولة، أم أنها مؤشر على تغير في مواقف القوى العظمى تجاه حلفائها؟ الإجابات على هذه الأسئلة لا تزال غير واضحة.
ومع ذلك، فإن ما يبدو مؤكدًا هو أن تزامن الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية وانهيار الحلفاء قد أدخل الجمهورية الإسلامية في واحدة من أكثر المنعطفات السياسية والاقتصادية تعقيدًا في السنوات الأخيرة.
الأزمة التي ستحدث قريبا
إن المجتمع الإيراني اليوم في وضع متناقض: فمن ناحية، يحمل التجارب التاريخية للحرب والعقوبات والتهديدات الخارجية في ذاكرته الجماعية، وهو عرضة لعدم الاستقرار وانعدام الأمن.
ومن ناحية أخرى، فهي تواجه حكومة كانت، من وجهة نظر جزء كبير من المواطنين، غير فعالة إلى حد كبير في الاستجابة للمطالب الاقتصادية، والتعامل بفعالية مع الفساد، وصياغة رؤية واضحة للمستقبل؛ وفي كثير من الحالات، يكون الجاني والشريك في نفس الوقت.
وكان الوجود المتزامن لهذين العاملين، الضغوط الخارجية والتآكل الداخلي، سبباً في خلق بيئة حيث فقدت أدوات إدارة الأزمات وآليات الضمان الاجتماعي السابقة فعاليتها إلى حد كبير.
وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن النظر إلى الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة باعتبارها مجرد رد فعل فوري على ارتفاع الأسعار أو تقلبات سوق العملة.
إن هذه التطورات، أكثر من أي شيء آخر، تشير إلى أزمة بنيوية تتراكم تحت سطح المجتمع منذ سنوات، وهي الآن جاهزة للظهور من جديد مع أي صدمة اقتصادية أو سياسية أو أمنية.
وربما يكون هذا هو التشابه الوحيد بين المتظاهرين الفنزويليين ونظرائهم الإيرانيين، كما تظهر التعليقات الأخيرة التي أدلت بها الحائزة على جائزة نوبل وزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو.











