
توقيع إتفاقيات تعاون أمنية وسياسية وتجارية
محاولة إسرائيلية لتأجيج الخلاف التقليدي التركي اليوناني
بعد أن غاب عن الأنظار في السنوات الأخيرة
قام رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية، وهي الأولى من نوعها، لليونان تلبية لدعوة من نظيره رئيس وزراء اليونان جورج باباندريو، وذلك خلال شهر آب المنصرم، واستمرت عدة أيام.. وهذه الزيارة وفرت مكاسب عديدة لاسرائيل في مختلف المجالات كما ان توقيتها جاء مناسباً لاسرائيل أيضاً بعد أن تلقت عدة صفعات موجعة من الحليف التركي الذي بدأ رويدا رويدا يفك تحالفه نظراً لمواقف اسرائيل غير الانسانية، وسياستها العدائية الشرسة ضد شعبنا الفلسطيني.
ما حققته هذه الزيارة وتوقيتها وأهدافها المعلنة أو غير المرئية وما تم الاتفاق عليه تُلقى الاضواء عليها جميعاً في هذا التحليل الخاص..
التوقيت المناسب اسرائيلياً
جاءت هذه الزيارة بعد توتر وتدهور العلاقات التركية الاسرائيلية عقب الاعتداء الاسرائيلي على أسطول الحرية فجر 31 أيار 2010 وأدى ذلك إلى سقوط حوالي 9 شهداء من الأتراك.. وهذا الاعتداء زاد العلاقة توتراً إذ كانت أصلاً متوترة عقب العدوان الاسرائيلي البشع على قطاع غزة الذي توقف يوماً واحداً قبل تولي الرئيس الاميركي باراك اوباما سلطاته الدستورية في 20/1/2009. وهذا التوتر في العلاقة أدى إلى اتخاذ "أنقرة" عدة قرارات صارمة وحاسمة، ومنها وقف المناورات العسكرية المشتركة سواء البحرية أو الجوية أو البرية.
وجاءت الزيارة عقب تدهور الوضع الاقتصادي اليوناني، ووصول اليونان الى حافة الافلاس، وتدخل العالم الغربي لانقاذ اليونان بعد إجبار حكومة باباندريو على اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة.
التعاون في المجالات العسكرية
خلال هذه الزيارة تم الاتفاق على تعزيز التعاون الاستراتيجي وخاصة في النواحي العسكرية ومنها: إجراء مناورات عسكرية مشتركة لسلاحي الجو والبحرية في البلدين، وتبادل المعلومات الأمنية لمحاربة "الارهاب" في اوروبا الشرقية وفي العديد من المناطق ذات الاهتمام المشترك، والسماح لطائرات سلاح الجو الاسرائيلي باستخدام المجال الجوي اليوناني والقيام بتدريبات فوق البحار المحيطة باليونان أو فوق الجبال.. وكذلك تعزيز التعاون الأمني المشترك وخاصة في منطقة كوسوفو وفي دول البلقان.
وذكرت مصادر اسرائيلية أن هناك إمكانية كبيرة للتعاون اليوناني الاسرائيلي في مجال التصنيع العسكري، وتزويد اليونان بالتقنية العسكرية المتطورة جداً.
إتفاقات أخرى
تم خلال هذه الزيارة الاتفاق على تعزيز العلاقات الثنائية إذ أكد نتنياهو أن اسرائيل معنية بتقوية هذه العلاقات وأن يكون التعاون الأمني مستقبلاً فقط مع اليونان، مع التعهد بوقف التعاون مع تركيا.
نتنياهو وعد ببذل كل جهد مستطاع لدعم مطالب اليونان في البنك الدولي، ومساعدة اليونان في تجاوز أزمته المالية الخطيرة.
ووعد نتنياهو على دعم النفوذ اليوناني في البلقان، وتوفير كل دعم مستطاع لتعزيز وتقوية هذا النفوذ. وتم الاتفاق على تعزيز التعاون السياسي في مختلف المجالات وخاصة فيما يتعلق بالقضية القبرصية، والعمل مع اليونان على منع أو عرقلة أو صد الأبواب أمام تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
أهداف الزيارة الخطيرة والخبيثة
لم تكن الزيارة عفوية بل جاءت لتحقيق عدة أهداف ومن أهمها:-
1. توجيه رسالة واضحة إلى تركيا مفادها أن اسرائيل وجدت وبسرعة البديل عن الحليف التركي، وان تدهور العلاقات التركية مع اسرائيل لم يكن لصالح تركيا.
2. توفير مناطق جديدة لتدرب سلاحي الجو والبحرية الاسرائيليين بالاضافة الى مناطق في بعض دول البلقان.. وهذه المناطق قريبة من ومشابهة لمناطق التدريبات التركية الاسرائيلية السابقة.
3. وضع "قدم" لاسرائيل في مناطق البلقان عبر اليونان، إذ كانت اسرائيل غير معنية كثيراً بذلك.. وبالتالي تستطيع من خلال ذلك "مناوئة" السياسة التركية في تلك المنطقة.
أما الأهداف الاسرائيلية غير المرئية فهي تكمن في محاولة تأجيج الخلاف التركي اليوناني التقليدي الذي ذاب مؤخراً، وبدأت العلاقات في التحسن.. واسرائيل لا تريد أن ترى تركيا مستقرة وهادئة، لذلك فإنها ستعمل على اذكاء نار الخلافات مجدداً.. وها هي قبرص تقرر ولأول مرة - وبعد هذه الزيارة – عدم السماح للسفن بالانطلاق من موانئها نحو قطاع غزة لكسر الحصار، واليونان بالطبع اتخذت مثل هذا القرار أيضاً.. أي أن اليونان معني الآن بتحسين العلاقات مع اسرائيل، والاستفادة من هذه العلاقة، ولو على حساب المواقف المشرفة للشعب اليوناني الذي يؤازر ويدعم القضية الفلسطينية.
أي أن الزيارة استطاعت أن تمنع – ولو بصورة غير مباشرة – انطلاق سفن الحرية لكسر الحصار من موانىء قبرص واليونان، وهذا بحد ذاته مكسب سياسي كبير..
تساؤل مشروع
ولكن التساؤل المشروع الذي يمكن طرحه وبكل صراحة: هل ستكون لهذه الزيارة أي تداعيات على الموقف التركي.. أو السياسة التركية في منطقة الشرق الأوسط؟.
لا شك أن هذه الزيارة تمت متابعتها بكل اهتمام، ولكن تركيا دولة قوية لها مكانتها ووجودها على ساحة المنطقة، ومثل هذه الزيارة ونتائجها قد لا تؤثر عليها كثيراً، بل قد تكون نتائجها عكسية على اسرائيل في المستقبل إذ أن جورج باباندريو في سدة الحكم اليوم، فهل سيبقى فيه إلى الأبد، وهل حزبه الاشتراكي سيقبل بما يقدم عليه من اتفاقيات مع اسرائيل.
لا بدّ من الانتظار قليلاً، والحكم على نتائج هذه الزيارة مستقبلاً.. وهل هي آنية ومرحلية أم ستكون دائمة!؟