كم هو جميل النجاح والتفوق ..وكم هو أجمل ان نكرّم طلابنا وطالباتنا من أوائل الثانوية العامة.. وان يشعر هؤلاء بأنهم حققوا انجازاً استحقوا عليه هذا التكريم.. فلذات أكبادنا الذين كدّوا وتعبوا طوال اثني عشر عاماً من الدراسة المتواصلة والجهد المكثف ليصلوا إلى ما وصلوا إليه من نجاح باهر أثلج صدور والديهم.. بل وجعلهم يشعرون بفخر كبير .. فها هم أبناؤهم قد حصدوا ثمار جهدهم نجاحاً وتفوقاً وفرحة عمت القلوب والبيوت..
وتنتهي الفرحة وتبدأ رحلة البحث عن جامعة تحقق طموحات وآمال هذا الطالب أو ذاك .. ويقع العديد من الطلبة – حتى بعض المتفوقين منهم - في "حيص بيص" ماذا سيدرسون؟ بل ما هي المهنة التي يرغبون ويتمنون أن يقضوا عمرهم في ممارستها.. فهناك الكثير منهم رغم إنهم وصلوا إلى مرحلة الثانوية العامة وأنهوها بنجاح وتفوق إلا إنهم لم يستطيعوا بعد تقرير ماذا سيدرسون !!
وتبدأ المشاورات وتنهال الآراء عليهم فتزيد من ارتباكهم وحيرتهم .. طب هو الأفضل أو هندسة أو صيدلة أو.. فهذه هي أولى الخيارات التي يطرحها الأهل والأقارب للطالب، وبخاصة إذا كان معدله في الثانوية العامة مرتفعاً .. وفي كثير من الأحيان فان الطالب لا يرغب في دراسة أي من هذه التخصصات ، ويبدأ الضغط عليه ممن حوله وبخاصة من والديه .. "حرام فبمعدل مثل هذا، ولا تدخل هندسة أو طب".. "و لكني أحب أن أدرس كذا ؟" "ماذا!! يظهر أنك جننت، خسارة على المعدل أن يذهب لتخصص آخر غير الطب او الهندسة او الصيدلة أو ..."، فيضطر الطالب الى الانصياع لتأثيرات المجتمع ولرغبات عائلته ويدخل في كلية لا يرغب فيها، ويدرس هذه المادة ليرضي والديه .. فتكون النتيجة في كثير من الأحيان فشل ذريع لهذا الطالب الذي كان متفوقاً ومتميزاً بدلاً من أن يبدع ويتفوق في دراسته الجامعية أو على الأقل خسارة سنة أو أكثر في حالة تغيير تخصصه..
وطلاب آخرون لا يعلمون ما هي التخصصات المتوفرة في الجامعات، ان كان ذلك في داخل الوطن أو خارجه، بل ما هي التخصصات التي شعبنا بأمس الحاجة اليها .. وهنا يكمن دور المسؤولين في توعية الطلاب الى مثل هذه التخصصات والتي يجب أن تبدأ في المرحلة الثانوية من التعليم المدرسي.. فمن الظلم أن يدرس الطالب على الأقل أربع سنوات جامعية ليتخرج ويجد أن سوق العمل مقفلاً أمامه.. وأيضاً يجب أن تكون هناك عملية ارشاد واكتشاف لقدرات ورغبات الطلاب ونمط شخصيتهم ومصادر الابداع لديهم، وبالتالي السير بهم رويداً رويداً في طريق الوصول الى الكلية المناسبة التي تتلاءم مع ما يرغبون ويتميزون به، وليس ما يرغب به الأهل له.. فمن المهم جداً، ومع وصول الطالب الى الثانوية العامة، أن يكون قد وصل الى ادراك كامل لرغباته وقدراته، وعلى علم بما هي التخصصات الأكثر توافقاً معها ومع شخصيته ليستطيع الاختيار من بينها أحد التخصصات المطلوبة في مجتمعنا، وليعلم هل هو متوفر في بلادنا أم لا، وهل هناك مجال للسفر للدراسة في الخارج أم لا.. فلو وفرنا عملية الارشاد هذه لطلبتنا نكون بذلك قد ساهمنا في توجيههم توجيها علميا مناسبا .
هناك نشرة ارشادية مقتضبة في موقع وزارة التربية والتعليم بهذا الخصوص، ولكن كم من طلابنا وصلوا اليها ؟! وهل تم توزيعها على طلبة الثانوية العامة ليستفيدوا منها ؟!
في الدول المتقدمة هناك أنظمة تعليمية متكاملة تساعد في اكتشاف الطلاب لقدراتهم والمواضيع التي يبدعون فيها، فيتم التركيز عليها من خلال عملية تصنيف لهم، ومن خلال اعطائهم الحرية في اختيار هذه المواد التي تساعدهم على اكتشاف أنفسهم وما يملكونه من مواهب، وبالتالي فما ان يصل الطالب الى المرحلة الثانوية يكون قد استقر على ما هو التخصص الذي يناسب طموحه، ويبدع به والذي يحتاج اليه مجتمعه ..
ونحن هنا في هذا الوطن لماذا يصل الكثير من طلبتنا إلى أبواب الجامعة وهم في حيرة فيما يرغبونه ولا يرغبونه، وما هو المناسب لهم أو غير المناسب.. وحتى لو عرفوا ما يناسبهم والمادة التي يرغبون بها فان بعض الأهل لا يتركون لهم حرية الاختيار ويضغطون عليهم بشكل أو بآخر ليختاروا إما ما يناسب "مقام" الأسرة في بعض الأحيان، أو لتلبية طموحات الأهل وأحلامهم التي فشلوا هم في تحقيقها وأرادوا تحقيقها من خلال أبنائهم، وهم لا يعلمون بأنهم بذلك يقضون على طموحات أبنائهم وأحلامهم، بل ومستقبلهم ..
ارشاد الطالب ووضع الخيارات أمامه ليختار منها المناسب له، هذا هو دور المدرسة والأهل بالتحديد .. ولكن أن نضغط عليه ونختار عنه، فهذا أكبر خطأ نرتكبه بحق أبنائنا.