الإستيطان مستمر ولم يجمد فعلياً

القيادة الفلسطينية تصر على عدم التفاوض إلا بعد
وقف الاستيطان في القدس قبل الضفة
تعيش المنطقة مرحلة من التحرك السياسي الساخن الذي قد يعطي الانطباع بأن هناك انفراجاً آتياً، ولكن في الواقع، فإن هذا التحرك السياسي ما زال يراوح مكانه، وهو يهدف إلى "انعاش" الآمال بالمستقبل، ويحاول احياء المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وكأن احياء هذه المفاوضات هو انجاز بحد ذاته.
خلال الأسابيع الأخيرة الماضية أعلن رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو عن تجميد مؤقت وجزئي للاستيطان لمدة عشرة شهور، واعتبرت هذه الخطوة جبارة وكبيرة، ولكن فيما بعد تبين أن هذا التجميد الجزئي والمؤقت هو مجرد دعاية إعلامية وليس أكثر من ذلك، تهدف أولاً وأخيراً الى إظهار أن نتنياهو يريد تحقيق السلام، ولكن هو في الواقع يريد السلام الذي يناسبه.
رغم كل الضغوطات الممارسة عليها، والدعوات الموجهة اليها، فإن السلطة الوطنية ما زالت متمسكة بموقفها، وهو أن لا تفاوض إلا بعد أن يجمد الاستيطان، وان تجميد الاستيطان غير مقبول، إذ المطلوب وقفه كاملاً في الضفة والقدس أيضاً.
أسباب الاصرار على وقف كامل للاستيطان
وتعود أسباب الاصرار على وقف كامل للاستيطان الى الآتي:-
· شعور القيادة الفلسطينية بأن تجميد الاستيطان الجزئي ما هو إلا ضحك على اللحى إذ أن اسرائيل صعدت من وتيرته في مدينة القدس العربية وبشكل مسعور جداً. وكذلك قالت أن هناك "إستثناءات" في القرار، وهذا يعني أن القرار مجرد كلام بكلام، وأن ردود فعل المستوطنين على هذا القرار جاء لدعم نتنياهو وليس لإضعافه، إذ أنه يوهم العالم أنه اتخذ قراراً صعباً وجريئاً
· القادة الاسرائيليون قالوا ان التجميد مؤقت ولمدة عشرة شهور، وان الاستيطان سيتواصل بعد انتهاء هذه الفترة، حتى ولو كان هناك تفاوض بين الجانبين، أي ان هدف اسرائيل هو التفاوض الشكلي، وليس التفاوض الجدي.
· التصريحات التي يطلقها قادة وزعماء اسرائيل، وفي مقدمتهم نتنياهو، والتي تقول لا تنازل عن القدس، ولا توقف للاستيطان في القدس، ولا لحق العودة، ولاءات كثيرة يرددونها وباستمرار مستفزين الجانب الفلسطيني، ومؤكدين في الوقت نفسه غياب الجدية الاسرائيلية للتوصل إلى سلام حقيقي أو إلى اتفاق شامل ونهائي.
· غياب الراعي الفعال للمسيرة السلمية والتفاوض إذ أن الادارة الاميركية منهمكة بمشاكلها وتورطها في العراق وأفغانستان، ولم تكن في السابق "ضامنة" لأي اتفاق، ولم تتخذ قراراً واحداً حاسماً ولو بصورة شكلية لاجبار اسرائيل على احترام القوانين الدولية، وحتى أن المجتمع الدولي لا يعطي أية ضمانات للجانب الفلسطيني، ولذلك فإن التفاوض لن يؤتي الثمار المرجوة، وهو مضيعة للوقت وليس أكثر من ذلك.
· التفاوض الذي لن يعطي نتائج، قد يسيء إلى الساحة الفلسطينية ويعزز الانقسام الداخلي وخاصة بين حركتي حماس وفتح.. ولا حاجة للتفاوض إذا كان من أجل التفاوض، ولا حاجة للدفاع عن التفاوض ما دام فارغ المضمون والنتائج.
· معرفة القيادة الفلسطينية أن الحكومة الإسرائيلية بزعامة نتنياهو غير قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، إذ أن اليمين الاسرائيلي الذي هو جزء مهم من ائتلافها الحالي، يرفض السلام، ويرفض وقف الاستيطان، ولا يريد الاستقرار في المنطقة، ولهذا فإن التفاوض الذي لا يؤيده جزء كبير من الحكومة الاسرائيلية لن يكون مجدياً، وهو تضييع للوقت.
آمال التحرك العربي تلاشت


مع رفضها لاستئناف التفاوض إلا بعد وقف كامل للاستيطان حاولت السلطة الوطنية أن تجد مدخلاً ما لاستئناف المفاوضات من خلال حشد الدعم العربي لها، فطلبت ضمانات اميركية بأن تكون المفاوضات جادة، وبأن تلتزم اسرائيل بتطبيق ما يتم الاتفاق عليه، وبأن يتواصل ويستمر قرار تجميد البناء الاستيطاني.. وان تكون المفاوضات محددة الزمن أي لها سقف زمني، وألا تكون مفاوضات لأمد طويل ولسنوات طوال. ونقلت مطالبها ورغباتها الى العالم العربي عبر قيام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بجولة في العديد من العواصم العربية. وقد اتفق العرب على أن يقوم وزيرا خارجية الأردن ناصر جودة، ومصر، أحمد أبو الغيط، بزيارة واشنطن ولقاء المسؤولين الأميركيين وفي طليعتهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لنقل صورة الموقف العربي للإدارة الاميركية.
وتوجه الوزيران بالفعل، والتقيا كلينتون وتم التباحث في هذه الرغبات العربية، لكن هذه المباحثات لم تصل إلى نتيجة ايجابية، فعاد الوزيران الى بلديهما، وهما في حالة عدم تفاؤل لأسباب عديدة..
أسباب الفشل في واشنطن
يعود فشل لقاء الوزيرين المصري والأردني مع كلينتون إلى عدة أسباب ومن أهمها:-
1. رفض الإدارة الاميركية اتخاذ الموقف الحاسم والحازم تجاه اسرائيل والمستوطنات، ويبدو أن الادارة الحالية تحت ضغط كبير، ولهذا تراجعت عن مطالبتها بوقف الاستيطان الى القبول بتجميده، واعتبر هذا الموقف تراجعاً كبيراً.
2. رفض الإدارة الاميركية اعطاء ضمانات للجانب الفلسطيني بأن هذه المفاوضات قد تؤدي إلى اتفاق تحت ذريعة أن التفاوض هو تفاوض، وعلى الطرفين القبول بما يتم الاتفاق عليه، ولا تستطيع الإدارة الاميركية أن تلزم اسرائيل بقبول أمر ما وهي لا تريده... ولذلك فالمفاوضات ستكون مفاوضات على غرار المفاوضات السابقة لا تؤتي بأي ثمار واضحة..
3. دعم اميركا للموقف الاسرائيلي بعدم الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967، بل إلى ما هو قريب من ذلك مع تبادل للأراضي.
4. إصرار اميركا الآن على ضرورة عودة الجانب الفلسطيني الى طاولة المفاوضات ودون شروط مسبقة إذ أن نتنياهو اتخذ خطوة "إيجابية" ولذلك على الفلسطينيين القيام بخطوة ايجابية مقابلة.
5. تفهم اميركا لوضع نتنياهو الداخلي، ولائتلافه الحكومي، ولذلك فهي لن تضغط عليه، ولا على حكومته.
6. مطالبة اميركا العالم العربي بأن يتخذ خطوات حسن نوايا تجاه اسرائيل، أي التطبيع قبل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية المحتلة في حزيران 1967.
مبادرة اميركية جديدة
كلينتون أبلغت الوزيرين ممثلي العالم العربي، أن الإدارة الاميركية على وشك إطلاق مبادرة جديدة، إذ أن الرئيس اوباما شخصياً يعكف على وضع اللمسات عليها، وتنص المبادرة على عدة أمور ومن أهمها:-
· حل الدولتين: فلسطينية ويهودية والدولة الفلسطينية قابلة للحياة.
· جزء من القدس العربية عاصمة الدولة الفلسطينية، ولكن على أن تكون أحيائها العربية تحت السيادة المدنية الفلسطينية، أما سيادتها الأمنية فهي بيد اسرائيل، على غرار مناطق "ب" في الضفة.
· تطرح جميع المواضيع على طاولة البحث في هذه المفاوضات بما فيها القدس وحق العودة والحدود.
· تكون المفاوضات جادة وتستمر لسنتين فقد وليس أكثر من ذلك.
· لا مانع من تبادل أراضٍ إذ أن السلطة الفلسطينية ستحصل على نفس مساحة الضفة الغربية آخذين بعين الاعتبار أن الطريق الآمن بين الضفة والقطاع إذا ما تم فتحه سيكون محسوباً ضمن الأراضي في الضفة أو ضمن مساحة أراضي عام 1967.
· حق عودة اللاجئين قد يجد حلاً مقبولاً من الطرفين وان اميركا مستعدة للمساهمة في التوطين أو في التعويض.
· لا لإزالة جميع المستوطنات، بل بإزالة البؤر الاستيطانية العشوائية، وان يقبل الفلسطينيون بوجود تجمعات استيطانية كبيرة في مناطق الضفة.
هذه المبادرة ليست بجديدة بل هي تجميع لآراء سابقة ولما كان يطرحه الرئيس الاسبق بيل كلينتون من أفكار وآراء واقتراحات، وهذه المبادرة ليست بجديدة إذ أنها في محتواها لصالح اسرائيل، وخاصة إذا تعلق الأمر بحق العودة، والانسحاب لحدود الرابع من حزيران 1967. وليست هناك أية ضمانات اميركية تذكر إذ أن المفاوضات استناداً لهذه المبادرة قد تطول لعشرات السنوات دون التوصل الى اتفاق، أي أنها مبادرة "رفع العتب" و"إظهار" رغبة الادارة الاميركية في ايجاد تسوية ما ولو كانت على حساب الفلسطينيين.
دق الماء بالهاون
كل ما يجري من تحرك سياسي حتى الآن هو "دق الماء في الهاون" كما يقول المثل الشعبي، اسرائيل لا تريد السلام، وهي غير راغبة في الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة، وما زالت متعنتة بمواقفها ومطالبها، لأن اسرائيل لا تريد الهدوء والاستقرار، وغير مستعدة لدفع أي استحقاق لتحقيق الطمأنينة والهدوء، بل بالعكس، تحاول تصعيد الأمور وتساهم في تدهور الأوضاع عبر غاراتها الجوية على القطاع، وعبر حصارها الجائر والمتواصل للقطاع منذ أربع سنوات.
من هنا يمكن الاستنتاج بأن التحرك السياسي لن يؤتي بشيء جديد ما دامت اسرائيل متمسكة باحتلالها للاراضي العربية المحتلة، وما دامت اسرائيل الابنة المدللة لاميركا، وما زالت ترفض الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية..
ويجب أيضاً التذكير بأن من سياسة نتنياهو الا يحقق أي شيء على ارض الواقع، وتبقى الأمور على ما هي عليه الآن..
التحرك السياسي المكثف هو تخدير أو تهدئة للأعصاب ومحاولة لاختراق سياسي ما، ولكن في الواقع لن يحقق أي شيء ما دامت المواقف الاسرائيلية على ما هي عليه، وما دامت اسرائيل تتبنى سياسة التوسع والاستيطان، وما دام العالم العربي مقسماً والساحة الفلسطينية منقسمة بصورة مأساوية، والنفوذ العربي على الساحة الدولية غائباً بصورة غير طبيعية.
كثيرون يتأملون، ونحن معهم، ولكننا إذا اردنا أن نكون واقعيين، فإن هذا التحرك سيبقى يراوح مكانه، ولن يحقق شيئاً كما هو الحال مع تحركات سياسية سابقة التي كانت مكثفة بصورة أكبر من التحركات الحالية.
الأمل في تحقيق اختراق هو وهمي لأن الجانب الاسرائيلي لم يعِ بعد خطورة سياسته المتعجرفة وأثمانها الباهظة في المستقبل.