
هذا بعض ما قرأته "البيادر" في العام المنصرم
... وأكدت الأحداث مصداقيته
إيماناً منها بأن دور الإعلام والصحافة بشكل خاص يتعدّى حدود نقل الخبر كما يُورد من مصادره، إلى استقرائه واستشراف الآتي قبل وقوعه، سبق لـِ "البيادر" أن تحدثّت في عدد 4 تموز من العام الماضي عن بعض الزميلات من الصحف اللواتي اكتشفن لاحقاً صوابية ما قرأناه من أحداث، وأعطينا أمثلة عليه بالنصوص والنماذج المصورّة، كان من بينها ما تمّ نشره في عدد من الصحف والمواقع العربية، في شهر حزيران، نقلاً عمّا نشرناه قبل ذلك بشهرين.
يسعدنا طبعاً ونحن لا نملك القدرات المالية ولا الإمتيازات التقنية العالية، ولا نحظى بدعم من "يُعجَب" بنا أو يلتقي مع نهجنا الوطني الإستقلالي، أن ننظر لمهنة البحث عن المتاعب باعتبارها مهنة البحث عن الحقيقة والمعلومة المصادَرة لاستقراء المخفي، وهذا ما أثبتته الشهور الست الأخيرة الممتدة من تموز الماضي إلى مطلع العام الجديد.
لن نتناول هنا كما فعلنا في السابق الإشارة لما نشرناه ثم نَقَلهُ عنا غيرنا من الزميلات، بل ببعض ما استقرأناه من أحداث قبل وقوعها، وكيف حدثت فعلاً، في الوقت الذي كان يقرأ فيه غيرنا داخل الوطن وخارجه قراءات أخرى مُناقضة لما رأيناه. والأمثلة على ذلك عديدة لكننا سنقتصر الكلام على بعض نماذج منها، يعود أوّلها إلى قراءتنا لشخصية الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، وكيف دَخَل علينا في بداية أيام رئاسته بصورة المسالم، الإنساني، حلاّل المشاكل، الداعي إلى الدولتين هنا، والى الإنسحاب ونزع فتيل العنف واستبداله بالحوار في أكثر من مكان، وهو ما قرأناه في تغطيتنا للخطاب الذي ألقاه بجامعة القاهرة مُوجَّهاً للعالمين العربي والإسلامي، وقد قرأناه فقرة فقرة في عددنا الصادر بتاريخ 20 حزيران 2009. هنا أبرز ما قلناه يومها وما يجري اليوم.
قراءة شخصية أوباما من خطاب القاهرة
في البدء اعترفنا بأن خطاب الرئيس الأميركي الجديد يختلف بأسلوبه ومفرداته وتميّزه الإنساني – كما بدا لفظاً في الخطاب – عن سلفه بوش وسائر الرؤساء الذين سبقوه، كما يختلف عنهم في الوقت نفسه بتمكنّه كمحام من اللغة التي تبدو مفرداتها طيّعة على لسانه، وبتلاعبه في الألفاظ والمعاني، كما ارتأينا أنه الخطاب الأول من نوعه في التاريخ الأميركي – العربي – الإسلامي. ولكننا لاحظنا على أوباما مبالغته وهو يتكلم عن أي موضوع في الموازنة بين غمزة هنا وأخرى هناك، ومديح هنا وآخر هناك، مع محاولة قول كل شيء دون أن تفهم منه المقصود الأساسي، أو ما يودّ أن يُحدّده بالضبط، ووَضَعنا بنتيجة ذلك وفي ضوء ملاحظتنا لخلطِهِ الوقائع حينا ووقوعه في التناقض حيناً آخر علامة استفهام وتعجب حول هذا الأسلوب، وأوردنا مثلاً على نظرته غير المنصفة للكفاح المسلح كأسلوب للتحرير.
وكانت النتيجة التي خرجنا بها في النهاية أن الأسلوب الملتوي الغامض والذي يحمل أكثر من معنى ومغزى هو الذي يُميّزه، وهو الذي يعكس شخصية رجل لا يبدو أنه سيكون حازماً في قراراته، ولا حاسماً تجاه العديد من القضايا التي تحتاج إلى جرأة، وكان منها بالطبع إمكانية تطبيق نظرته في حل الدولتين، ووقف عمليات الإستيطان، التي استنكر استمرارها في البداية، ثم توقَّفَ عند هذه النقطة، إضافة إلى العديد من المواقف المطلوب منه حسمها، سواء بالنسبة للعراق وأفغانستان أم تجاه إيران ومشروعها النووي... وغير ذلك.
ما أكدته الأيام
الآن ونحن نستعرض "جردة" العام المنصرم 2009. ما أُنجز فيه وما لم يُنجز، يتأكد لنا بالبرهان القاطع أن ما توقعناه كله حدث، كما لو كنّا نقرأ في مخيّلة هذا الرجل الأسود الذي احتلّ لأول مرّة كرسيّه في البيت الأبيض . وكانت خيبة أملنا كبيرة عندما تحوّل استنكاره إلى سكوت مُطبق وعدم القدرة على الضغط ، ثم التراجع أمام اللّكمة التي وجهها له نتنياهو وعصبته بعدم التجاوب مع مطالبه الكلامية.
لقد جزمنا منذ البدء أنه يُريد مغازلتنا لفظياً فقط، وأنه يسعى لتغيير صورة الولايات المتحدة لا أكثر، مستغلاً مهارته اللفظية وخبرته السياسية واطّلاعه على أجواء العالم الآخر بحكم أن جذوره من هذا العالم، كي ينطلق من أرضية جديدة متحررة من مخلفات سلفه بوش.
وتأكيداً على أن الرجل لن يأتي بجديد منتظر منه، وأنه يعمل على تسويق نفسه من خلال عبارات منمّقة وموقف جميل لفظياً قَميء عملياً، نشرنا شريطاً من ستّ صور، تبدأ أولاها بوجه بوش... ثم أخذت الثانية فما تلاها بالتغيّر التدريجي حتى تُصبح الصورة الأخيرة لوجه أوباما، بشكل يعني أن أوباما هو حالة "متطوّرة" أو وجه جديد لبوش، وهذا ما يتحدّث عنه الجميع في هذه الأيام، ويصفونه بأنه امتداد لمن سبقه من الرؤساء، وأن السياسة الأميركية قد عادت عملياً إلى مواقع الإدارة السابقة أيام كلينتون.
وعلى ذكر كلينتون، كانت "البيادر" قد إنفردت في عدد 13 أيلول الماضي وضمن مقال حول سياسة أوباما تجاه قضيتنا، بالقول أنه قام بفتح ملفّات الإدارات السابقة واختار أخبث خطّة حاول كلينتون تمريرها على ظهورنا عن طريق وزير خارجيته روبرت بولليترو، وتتلخص بضرورة تراجعنا جماعياً في موضوع التسوية، والعمل على إلغاء كل القرارات الأممية المعادية لإسرائيل، كشرط مسبق لبدء محادثات السلام الجادة، تماماً كشرط الإعتراف بيهودية اسرائيل في هذه الأيام!، دون الحديث عن تقديم ضمانات من قبله. وها هي إدارة أوباما التي سبق لها أن وضعت المبادرة العربية في سلّة المهملات، بعد أن أعلن اوباما بلسانه في خطاب القاهرة أنها "غير كافية"، تتراجع عن مطالبها بوقف الإستيطان وتخضع لما يريده نتانياهو، وتُميت فكرة الدولتين والشعبين، ولم نعد ندري ماذا فعل مبعوثه جورج ميتشيل وإلى أي نقطة وَصَل، وأين هو الآن!
وقائع عملية إنفصال الأكراد
حَدَثُ آخر ثَبتت صدقية قراءتنا القديمة له قبل أيام فقط، يتعلق بمستقبل إقليم كردستان وهو ما غطّته "البيادر" بعددها 956 الصادر أواخر ايلول 2008، وعادت إليه في عدد 28 تشرين الثاني 2009. قالت في تغطيتها الأولى ما يُعتبر سبقاً لما تمّ الكشف عنه مؤخراً. وقد حمل مقالها عنوان: "إذا استمرّ العرب في التفرّج على الأكراد ودعم اللوبي الصهيوني لهم.. ستقوم إسرائيل الثانية على أرضنا العربية قريباً"! وكشفت التفاصيل التي يعمل الأكراد من خلالها لتحقيق هذا الهدف من قلب الولايات المتحدة، ومن خلال لوبي يوجهه إيغال فرانك المستشار السياسي في السفارة الإسرائيلية بواشنطن.
أما التغطية الثانية فقد كشفت عن معلومات غير مسبوقة حول أوضاع منطقة كردستان، وكيف أن الممسكين بزمام إدارتها يعدّون العدّة منذ زمن للإنفصال عن بلدهم، وأنهم في شرحهم لهذا التطّلع يستعملون عبارة الإستقلال، كما لو كان الاقليم محتلاً من قبل العراق. وكان أبرز ما كشفته من داخل أجواء قيادات الحزبين الكرديين الحاكمين أنهم يتحدثون في مجالسهم الضيّقة ولقاءاتهم الرسمية مع المسؤولين الغربيين عن إعجابهم واستفادتهم من تجربة اسرائيل في العمل على "تنقية" كيانها من خلال الإصرار على يهوديته، وأنهم يريدون تطبيق نفس النموذج. وأوردت "البيادر" وقتها معلومات مفصّلة عن عمليات تهجير المسيحيين واليزيديين وغيرهم من غير الأكراد الى خارج الإقليم، ثم إساءة التعامل معهم وتهديدهم ووقوع ضحايا بينهم...
... ولم تمضِ على هذا الكلام الذي كان آخره قبل أسبوعين ، حتى طالعتنا صحيفة "التايمز" البريطانية بتاريخ 18 كانون الأول المنصرم بتقرير تفصيلي عن واقع المسيحيين العراقيين وتعرضهم لخطر "الإنقراض" – كما قالت – بسبب اضطرارهم الهجرة وترك بلدهم هرباً من عنف وتهديد الميليشيات الكردية. وفي تزامن مع تقرير "التايمز" كشف المحلل الإسرائيلي زفي بارئيل في تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" وجود وعود سرية أميركية بدعم قيام دولة كردية مستقلة شريطة البقاء مرحلياً جزءاً من العراق الفدرالي. ونسب هذا الكلام لمسعود البرزاني الذي قال لمن حوله أنه سمع من أوباما بياناً سياسياً فريداً، وأنه أشار إلى حقوق الشعب الكردي ووعد بتطبيقها!
توقعنا الجدار قبل أكثر من سنة
نأتي لموضوع جدار العار العربي الذي يُقام على الحدود المصرية مع قطاع غزة. وقد كان لـ "البيادر" فيها سبق الكشف عن التفاصيل التي أخذت تتكشَف في الأيام الأخيرة، وأصبحت حديث العالم، وكانت وراء تحرك شرفائه إما بالتظاهر إعتراضاً أو بالإشتراك في مسيرة التضامن مع غزة.
ففي عددها 964 الصادر قبل أكثر من عام (كانون الأول 2008) تساءلت في مقال يحمل عنوان "هل بدأت مصر إقامة جدار عازل على حدودها مع القطاع"؟ وفي ردّها على هذا السؤال كشفت "البيادر" خطوات التهيئة للبدء بهذا المشروع ودَور كل من الأميركان وإسرائيل والسلطات المصرية في ذلك، ثم قالت في نهاية مقالها: كان هذا الكلام (أي عملية التهيئة) قبل تسعة شهور من اليوم تقريباً (أي في آذار 2008)، أما الآن فإن أفراد سلاح المهندسين (الأميركي) قد أصبحوا موجودين على طول الحدود والمعابر بالتوقيت مع دك البيوت على رؤوس أهلها في غزة"!
هذا التوقّع المسبق للحدث لم يكن ضرباً من الرمل بل استناداً لمعلومات وتوجّهات لم يرها الكثيرون ولم يهتمّوا بها. ولهذا كانت "المفاجأة" في منتصف شهر كانون الأول الماضي، عندما طلعت علينا الصحف الأجنبية والعربية بأخبار تتحدث عن قطع شوط في إقامة الجدار الفولاذي، وكتبت صحيفة "المصريون" قبل أيام تقريراً حول ما يجري على الأرض تضمّن خبراً عن قيام النائب السيد عسكر (عن كتلة الإخوان المسلمين) بتقديم بيان عاجل لرئيس مجلس الشعب فتحي سرور استفسر فيه عن "حقيقة الجدار الذي يهدف إلى إحكام الحصار على الفلسطينيين"، وتساءل بالنص الحرفي: "كيف انقلب موقف مصر من بلد مساند للحرية، ومدافع عن حقوق المظلومين إلى بلد يناصر الظلمة، ويؤيد المعتدين، ويخذل الأحرار والمظلومين؟"
وتبقى القدس المحور الأساس
لا يغيب عن الذهن في معرض استعراض الأمثلة السابقة لما تمّ إستقراؤه من أحداث توخّي المصداقية في نقل ما جرى ويجري منها في الخفاء، بحدود الإطلاع والمعلومات المتوفرة. وتغطية الجديد من أبرز ما يصدر في الخارج من كُتُب حول قضيتنا ووضعنا العربي. نذكر منها على سبيل المثال، المسارعة إلى قراءة كتاب الصحافي الفرنسي ريشار لابيغيير ــ المعروف بمواقفه غير المتصهينة ــ فور صدوره (عدد 6 حزيران 2009 ) ، وهو ما لم يُعجب إدارة إذاعة فرنسا الدولية التي كان يعمل فيها فقامت بفصله عن العمل.
أما كتابه الذي يحمل عنوان "مجزرة إهدن/ لعنة المسيحيين العرب" فيكشف الجوانب الخفيّة في علاقة حزب الكتائب اللبناني بإسرائيل منذ العام 1951، وهو ما اعترف به لاحقاً – وبكل صراحة – الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميّل (القيادي الكتائبي) من على شاشة التلفزيون ، وتحدث عن تفاصيل تؤكد حقيقة ما كشفه لابيغيير، وقد جاء ذلك في برنامج "بلا حدود" الذي ما زالت فضائية الجزيرة تذيع حلقاته المتواصلة في هذه الأيام.
الأهم والأبرز والذي لا يحتاج للفت الإنتباه إليه، يعكسه التأكيد المستمر في كل عدد على استهداف القدس وجديد محاولات تهويدها، وكشف جوانب مما يحصل وما يهدّدنا، وهذا موضوع مركزي مفتوح على كل الإحتمالات، ستبقى "البيادر" تركّز عليه وتُنّبه من مخاطره، وقد أخذ على الدوام الجانب الأبرز من تغطياتها، والكثير من أغلفتها، لأنه قضية القضايا الوطنية، فأي خطر أفظع من استمرار الإستيطان و"التوسع فوق الأرض وتحت الأرض بهدف إقامة قدس خالية من الأغيار (الغرباء) ، وهو ما تضّمنه تقرير عددها الصادر في 17 تشرين الأول الماضي؟
على هذا النهج سنتواص إيماناً منا بأن الصحافة ليست مهنة البحث عن المتاعب فقط ، بل هي فعل نضالي وإنساني وفكري متميّز، وهذا ما نحاوله.