|
رأي: وزارة الثقافة الفلسطينية هل من عودة حقيقية؟
تيسير نظمي - كاتب فلسطيني مقيم في عمان
من نجران تحت الصفر إلى فلسطين تحت الصفر, هكذا كان أول ما سيخطر ببال ناجي العلي لو كان بيننا الآن يتابع التشكيل الوزاري الفلسطيني الجديد في واقع فلسطيني ليس جديداً, فأول ما سيخطر بالبال من بين الأسماء الفتحاوية التي جيء بها لصدارة المأساة هو اسم ابو الهيثم (يحيى يخلف) وزيراً للثقافة.
هذا الرجل الذي عرف بنظافته وعمقه وصبره وصلابته وتواضعه الجم مناضلاً وسياسياً, عرفه المثقف العربي والمثقف الفلسطيني ككاتب مبدع جرب أول ما جرب حياة المنفى الفلسطيني التي ألهمته رائعته الروائية "نجران تحت الصفر", الرواية التي كانت مقررة ضمن المنهاج الدراسي في حكومة عدن الاشتراكية التقدمية, ولا أعرف إن كانت ما تزال تدرس حتى اليوم في اليمن السعيد.
ولأن الزمن الفلسطيني والعربي بعامة غني بالمفارقات المأساوية لأي متأمل في المصائر والأحوال, من الضروري التذكير بواقعتين كنت شاهداً عليهما تكشفان الدفء الكبير لقلب الكاتب والروائي والانسان يحيى يخلف ابن قرية سمخ الفلسطينية, الأولى كانت في الكويت في منزل الصحفي الفلسطيني سليمان الشيخ حيث وقعت مشادة كلامية استفزازية بين ناجي العلي ويحيى يخلف كان فيها الأخير غاية في التهذب والأدب عندما خاطبه بكلمة (أستاذ ناجي) والأول رد عليه (أبوك الأستاذ) وليس لأن الحضور غالبيتهم من الجبهة الشعبية أو محسوبين عليها آنذاك وبعض الشيوعيين لم يرد يحيى يخلف على ذلك الاستفزاز بل لأن الرجل كان لا يزال أكثر تماسكاً ودراية بالمأساة الفلسطينية وخلفياتها العربية وأكثر عمقاً من مجرد تسجيل المواقف, ورغم انحيازي الفكري والواقعي لناجي العلي وحتى اليوم إلا أنني لم أستحب لغة الحوار تلك من أبي خالد الفلسطيني الشرس والفلسطيني ابن قرية الشجرة المعطاءة وابن مخيم عين الحلوة.
أما الواقعة الثانية فقد كانت في منزل كاتب القصة والمترجم الفلسطيني محمود قدري في دمشق عندما تعلمت من أبي الهيثم أسمى معاني الوفاء عندما لفت نظري بأن الاستاذ محمود قدري درّس يحيى يخلف مادة العلوم في المدارس الأردنية في المرحلة الثانوية حيث لم يكن بادياً على ذلك الشيوعي الفلسطيني كبر السن, وكان آنذاك يعمل في دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق, ومنشغلاً بترجمة قصص مجرية وأخرى لأرنست همنغواي, وللأسف لم يحظ بالعناية الكافية في ثقافة وأوضاع الشتات الفلسطيني, ولا حظي بوفاء آخر في أيامه وسنواته الأخيرة, وبالطبع تتحمل قيادة فتح وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم السلطة الوطنية قدراً كبيراً من المسؤولية في عدم الاهتمام بالاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في الشتات ومثقفي الشتات والمنافي الذين ساءت أوضاعهم أكثر مما يحتمل وما وراء حدود المعقول, وهذا الوضع لم يغب عن ذهن مجموعة المبادرة التي تشكلت قبل سنة وتضم نخبة من القيادات الفلسطينية المتميزة أمثال الدكتور حيدر عبد الشافي والدكتور مصطفى البرغوثي ابراهيم الدقاق, حيث ما يزال الفلسطيني في الشتات والمنافي والمهجر من ضمن همومهم وفي هذا عزاء على الأقل لأمثالنا الذين يتابعون ويحملون هموم الوطن أينما كنا سواء فوق الصفر أو ما دون الصفر كجزء من أقدارنا كوننا لم نستشهد أو نموت كمداً أو نسقط سقوطاً مريعاً ونعرف أيضاً أن أمثالنا لا يصلحون أن يكونوا مجرد صحفيين في هذا الزمن العربي الأكثر انحطاطاً من الصفر وما دون الصفر, فإذا كان أستاذنا يحيى يخلف ظل طوال الفترة السابقة مجرد أمين عام لوزارة ياسر عبد ربه في الإعلام والثقافة ولم يكن بإمكانه عمل شيء بعد صدمة العودة للوطن ومشاهدة (سمخ) وما آلت اليه الأحوال فإنه من المأساة أيضاً أن يصبح وزيراً للثقافة في وقت قد لا يستطيع فيه عمل شيء ذي بال لا في الإعلام ولا في الثقافة في ظل واقع الاحتلال, لكن يحيى يخلف يظل الرجل الأنسب كي نتعامل معه وبالذات كي تتعامل معه مجموعة (المبادرة), خاصة وان الرجل مبدع وكاتب وعقلاني ومخلص على الأقل لاسمه الشخصي الذي يعتبر أهم من لقب وزير أو لقب معالي أو دولة, صحيح أن الوضع العربي العام صحراوي وعار تماماً ولم يعد به أية غابة سوى مدن الملح والاسمنت والدولار بما لا يتناسب مع اسم ابي الهيثم, لكن الثقافة والفن يمكن المراهنة عليهما, والعمل على طاقات الشعوب الإبداعية والمعرفية الخلاقة, وإذا كنا عربياً ما نزال عاجزين عن الفعل لأمة عربية خالدة فإننا ما نزال حقاً نفتقده كإنسان لكن حنظلة باق وخالد, وصحيح أن إدوارد سعيد فقدناه مؤخراً أيضاً لكن عمله الفكري ورؤاه ستظل مع المبادرة وفي الثقافة العالمية لأجيال قادمة, وبالإمكان في ظل بناء جدار الفصل العنصري أن يقوم يحيى يخلف بتجميع وإعادة تنظيم وتفعيل العمل الثقافي كقلعة استراتيجية أخيرة لاختراق كل جدران الفصل العنصري أياً كانت أشكالها وبإمكان وزارة الثقافة الفلسطينية أن تلقن الزمر العسكرية درساً في مواجهة الاحتلال والفصل وثقافة الجيتو والغزو والحرب وكل من يتخفون بالبزات العسكرية لإخفاء عجزهم الشخصي عن العطاء والإبداع, هذا في مجال الطموح للخروج من حالة الانعدام وحالة الصفر التي نحن فيها ولتجاوز البعثرة والعلم المشرذم والجهود الفردية المحبطة هنا وهناك, وإن لم يستطع وزير الثقافة الفلسطيني أن يعيد الاعتبار حتى للثقافة العربية برمتها فإن خسارتنا ستكون مضاعفة لأن نجران وما ترمز إليه اليوم قد لا يراها الجيل الجديد تحت الصفر بقدر ما يرى الشعوب والطاقات والمقدرات العربية باتت تحت الصفر..
ليس مطلوباً من وزارة الثقافة الفلسطينية صنع المعجزات في ظل الاحتلال والانتفاضة معاً, لكنه مطلوب منها الانطلاق في الاتجاه الصحيح, بل الأكثر دقة واستراتيجية بما يتوافق مع المستقبل الفلسطيني ومع طاقات الشعب الفلسطيني الخلاقة والمبدعة, ووجود شخصية مثل يحيى يخلف على رأس هذه الوزارة مهما طالت مدة ولايته أو قصرت يشجعنا على فتح باب الحوار وتقديم الأفكار, وأولها ايجاد وقفة نقدية مع تجربتها بعد اتفاق اوسلو, ودخول كوادر التنظيمات الى الداخل, فقد كانت التجربة السابقة قد ألغت من تصورها أية بنية ثقافية نضالية وكفاحية طويلة المدى تبني متوازيات ثقافية مع دول عربية أخرى ليس في تصورها للثقافة أكثر من مهرجانات واحتفالات ومباني وقصور ومسارح, تم تقويض بعضها من حيث البنى التحتية بسهولة ورعونة إقدام الجرافات الاسرائيلية على هدم كل شيء, ولو كان التوجه من الأساس مبنياً على الحافظة الحقيقية للثقافة الوطنية هي الناس والإنسان والكتّاب بالإضافة لمواقع الانترنت الجادة, لكانت الخسائر أقل ولكانت الديمومة أكبر, ولأن السلطة الوطنية الفلسطينية بشخوص كثير من قياداتها على عداء مزمن مع الثقافة والمثقفين, وخير من يدرك ذلك كاتب وروائي مثل يحيى يخلف, منذ أن وجدت منظمة التحرير الفلسطينية, وفقدت أول ما فقدت من شهداء أبرز كتابها المناضلين, أمثال غسان كنفاني وماجد أبو شرار وناجي العلي وقافلة من المبدعين يصعب حصرهم بعضهم مات كمداً في المنافي دون رعاية تذكر من مؤسسات منظمة التحرير أو من قبل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية, فإن فتح بيت للشعر وعمل مهرجان مثل مهرجان سبسطية وعمل احتفالات تكريم وجوائز وما شابه لا يقع في نظرنا في الخانة الصحيحة من ثقافة شعب ما زال يناضل ويكافح لدحر الاحتلال بكل صوره, وفي تقديري ان الصحافة الفلسطينية في الداخل إنما هي انعكاس هزيل لواقع بعض الرموز السياسية في قيادة السلطة, فإن انشاء كازينو اريحا فاق طباعة آلاف الكتب وتعميم الثقافة الوطنية الحقيقية التي تبقى وليس التي تذروها الرياح, من هنا يبدو لنا أن أحد أهم وأبرز مهام الوزير الجديد ووزارته هي التركيز على الإنسان والكتاب والإعلام النوعي الجيد وتوحيد الجهود المبعثرة, وعدم احتكار الجسم الثقافي الفلسطيني في بوتقة الداخل, فأحد أهم وأبرز خصائص العمل الثقافي أنه من الممكن أن ينطلق من أي مكان, ومن أي موقع على الانترنت, ومن أي كشك يتعامل مع المطبوعات من كتب ومجلات وصحف, وهذا ما يوفر صعوبة بالغة في استهدافه وضربه, وقد قال محمود درويش (ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة ما أوسع الثورة).
يكمن في الثقافة المنفتحة على الذات وعلى العالم مقتل الفكر العسكري العنصري, لأن جداراً مهماً بلغ طوله وسمكه وامتداده لن يحول دون اختراقه بفكرة, فأيهما كان أكثر خطورة جدار برلين أو إذاعة اوروبا الحرة؟ وأيهما يحمي الصين اليوم جدارها العظيم أو حزبها الأعظم؟ من هنا تجدر الاشارة للتوجه الثقافي الخارجي باتجاهين الأول عربي يتوجه نحو الشعوب العربية, والثاني عالمي ودولي يتوجه نحو الغرب بلغته ومعاييره, وأول الغرب بالطبع الاسرائيليون أنفسهم باتجاهاتهم المعتدلة والأكثر تقدمية ويسارية وتطلعاً نحو السلام العادل, فليس مقبولاً من شعب يرزح تحت الاحتلال وبات يجيد لغته أن لا يقرأ لناعوم تشومسكي ويزهار سميلانسكي وعميرا هاس, وتخطىء الثقافة الفلسطينية أيما خطأ تاريخي إن لم تنفتح على الثقافة الاسرائيلية بكل تلاوينها وهذا ما لا يريده شارون وطغمة اليمين والليكود المتخلف, وتطبيع ثقافي مع شعوب وثقافات متقدمة خير من التشبه بمن لا ينتج سوى واجهات بمسميات ثقافية لتغطية إنتاجاً لتخلف.
فاللغة العبرية والانجليزية لغتان من قدر كل فلسطيني أن يتعلمهما وإلا فبماذا نحاور وعلى أي أسس يمكننا التحاور ما دام عدوك التاريخي يجيد لغتك ولغته ولغة وكنية مثل الانجليزية, وكذلك الفرنسية وليست هذه بالمهمة العسيرة على الفلسطينيين فقد علمهم الشتات منذ أكثر من خمسين عاماً العديد من اللغات العالمية, كونها اللغة كانت واحدة من أساليب التكيف مع صعوبات كل منفى إجباري.
لدى الفلسطيني سواء في الداخل أو في الخارج تعددية حقيقية واستعداد حقيقي للدمقرطة وقابلية لا تحد للإبداع والابتكار, لكن الجميع تنقصهم المؤسسة والبيت الفلسطيني الدافىء ولم الشمل ولو على موقع من مواقع الانترنت, والنزر اليسير من الدعم الرمزي بسعر التكلفة على الأقل, لكل انتاج وجهد ثقافي وطني, أما المهمات الداخلية التي تنتظر وزارة الثقافة الفلسطينية فليس أقلها التنسيق مع وزارتي التربية والتعليم والإعلام الفلسطينيتين, ومن المبكر لوزارة الثقافة الفلسطينية في كل هذا وذلك ان تتصرف كما لو كانت في دولة مستقلة, ترفع في احتفالاتها الأعلام وتصطف أمام قصورها السيارات الفارهة وتعج فنادقها "بالمعازيم"..
|
|