أميركا واسرائيل تؤيدان اقامة دولة على حدود مؤقتة
من دون القدس وحق العودة مع بقاء الاستيطان

الرئيس عباس في جولاته الدبلوماسية هدف
إلى الحصول على دعم للموقف الفلسطيني

جُل إهتمام الإدارة الأميركية حالياً هو العودة للمفاوضات، ولا يهمها كيف يتم ذلك، سواء على حساب الموقف الفلسطيني أو على حساب العالم العربي.
وجل إهتمام اسرائيل هو "تدوير" المطلب الاميركي فيما يتعلق بالاستيطان، والاستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني من دون شروط مسبقة.
أما المسعى الفلسطيني فهو العودة لطاولة المفاوضات ولكن بعد أن يتوقف الاستيطان في الضفة والقدس.. وان لا عودة للمفاوضات من أجل المفاوضات، بل للتوصل الى اتفاق نهائي حول القضايا النهائية..
أي أن لكل طرف من الأطراف اهتمامه من العودة لطاولة المفاوضات، ويبدو أن هناك جهداً يبذل، وهو على شفى النجاح، للعودة الى المفاوضات ولكن ليست المباشرة، هذا ما طرحه مبعوث الرئيس الاميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل والذي قبله الاسرائيليون. ولكن هناك تحفظات فلسطينية هي أشبه بطلب توضيحات لمثل هذا الاقتراح.
المطالب الفلسطينية والاسرائيلية
من المفاوضات غير المباشرة

يقبل الفلسطينيون بإجراء مفاوضات غير مباشرة برعاية أميركية لوضع أجندة أو برنامج تفاوض مجدي ومفيد مستقبلاً، لكن هناك مطالب وأهمها:-
· أن يحدد سقف هذه المفاوضات الزمني بثلاثة شهور، وقد يتم القبول بشهر إضافي، أي أربعة شهور على الأكثر.
· أن تعقد في واشنطن أو أية عاصمة اوروبية.
· أن تطرح فيها كل القضايا العالقة بما فيها حق العودة، والقدس والاستيطان والحدود... الخ.
أما مطالب الاسرائيليين فهي واضحة وتقول:-
· يجب عدم تحديد سقف زمني، ويجب أن تتواصل المفاوضات إلى أن يتم التوصل الى اتفاق نهائي.
· يجب عقدها في البداية بصفة أو بصورة غير مباشرة ومن ثم تتحول إلى مباشرة بين الوفدين بمشاركة أميركية.
· يجب بحث موضوع تلو موضوع، ويجب عدم طرح جميع المواضيع دفعة واحدة، أي أن اسرائيل تريد بحث موضوع واحد، وفي حال التوصل إلى اتفاق حوله، يتم الانتقال الى الموضوع الآخر، أي إطالة أحد المفاوضات إلى ما لا نهاية.
· عدم إكمال المفاوضات من حيث ما وصلت اليه مع رئيس الوزراء السابق إيهود اولمرت، بل البدء بالمفاوضات من نقطة الصفر.
· تفضل اسرائيل أن يتم عقد هذه المفاوضات هنا في القدس وليس خارج المنطقة.
الإدارة الاميركية تحاول الجمع بين الموقفين، وانه يتم الآن وضع صيغة لانطلاق هذه المفاوضات غير الثنائية.
بعد القمة العربية
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يفضل العودة إلى طاولة المفاوضات بعد عقد القمة العربية لعدة دوافع وأهداف ومنها:-
· إستمزاج رأي القادة العرب في موضوع العودة الى طاولة المفاوضات، والحصول على دعمهم له في مواقفه وما سيطرحه الوفد الفلسطيني فيها.
· عدم إعطاء المجال لأي فصيل أو قائد عربي أن يتهم عباس بالعودة الى طاولة المفاوضات من دون استشارة الآخرين، ومن وراء القمة العربية، ولا يريد أن يضع نفسه أمام قفص الاتهام.. بقدر ما يريد الحصول على دعم لموقفه.
· عدد من القادة العرب نصحوا عباس بألا يذهب إلى المفاوضات إلى أن تجلو الصورة من قبل الادارة الاميركية أكثر وأكثر، وبعد أن يحصل على دعم رسمي من القمة العربية حتى لا "يزايد" أحد عليه.
اللجنة المركزية لحركة فتح تؤيد ما يتبناه الرئيس عباس، وتفضل استئناف المفاوضات بعد القمة، وكذلك اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
هناك اتصالات بين كافة القوى الفلسطينية مع الرئيس عباس لتحديد طبيعة الوفد. هل سيكون على مستوى اختصاصيين وليس على مستوى سياسي رفيع، أم انه سيكون على مستوى سياسي رفيع.. وهناك توجه من قبل الرئيس عباس لأن يشارك في الوفد عدد من ممثلي الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية حتى تتحمل مسؤولياتها وتكون على اطلاع مباشر بما يجري في هذه المفاوضات.
قرار دولي حول الدولة الفلسطينية
العودة إلى طاولة المفاوضات لا يمنع القيادة الفلسطينية من المضي قدماً في مساعيها للحصول على دعم دولي لاقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وتسعى القيادة الفلسطينية الى استصدار قرار من مجلس الامن حول هذا الامر.. لكن اسرائيل ترفضه، وكذلك تتحفظ الادارة الاميركية منه، إذ تصر على اقامة الدولة ضمن حدود مؤقتة وليس حدوداً دائمة، إذ أن ترسيم الحدود يحتاج الى مفاوضات مضنية ومطولة.
الرئيس عباس قام بعدة جولات في الفترة الأخيرة في العديد من العواصم الآسيوية والاوروبية واميركا اللاتينية، طالب القادة الذين اجتمع اليهم بدعم الموقف الفلسطيني في اقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وتوفير الدعم لمؤسسات الدولة التي يتم بناؤها وانشاؤها وتأسيسها، وكذلك العمل على انهاء الحصار الاسرائيلي الجائر على قطاع غزة.
واثار الرئيس عباس خلال لقاءاته مع قادة دول العالم التي زارها موضوع الاعتداءات اليومية الاسرائيلية على القدس ومقدساتها ومواطنيها، وادان بشدة قرار الحكومة الاسرائيلية بضم الحرم الابراهيمي الشريف وقبة راحيل للمواقع اليهودية التاريخية، واعتبره تحدياً للارادة الدولية ولكل قرارات المجتمع الدولي، واستفزازاً لمشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم.
شروط اسرائيلية تعجيزية
هناك إجماع على دعم دولي لاقامة الدولة الفلسطينية، واسرائيل توافق أيضاً على اقامة هذه الدولة ضمن الشروط التالية التي أعلنها رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من على منبر جامعة بار ايلان:-
· أن تكون الدولة منزوعة السلاح.
· لا وجود لشيء اسمه حق العودة (أي شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين).
· الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل.
· لا تنازل عن القدس.
· لا تنازل عن المستوطنات في الضفة.
· نهر الأردن هو الحدود الشرقية لدولة اسرائيل، ومن حق اسرائيل الاحتفاظ بهذا الغور حفاظاً على أمنها..
نتنياهو يرغب في تحقيق سلام اقتصادي، أي بقاء الاحتلال الاسرائيلي، مع امكانية تنازل اسرائيل عن المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية لادارة السلطة الفلسطينية، اما الأمن فيبقى تحت السيادة الاسرائيلية.
ويعلن نتنياهو باستمرار على استعداده لتقديم تسهيلات من أجل دعم الاقتصاد الفلسطيني، ومن أجل تحسين المستوى المعيشي للمواطن الفلسطيني في الضفة، لكنه في الواقع يضيق الخناق على قطاع غزة، ولا يريد له اي سلام سواء اكان اقتصادياً أم سياسياً، ولا يريد هدوءاً هناك، بل يريد أن يعيش القطاع في حالة من المعاناة القاسية، وان تقبل حماس بالشروط الاسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق بصفقة شاليط، إذ أنها تريد اطلاق سراح هذا الجندي الاسير مقابل ثمن بسيط، وحماس ترفض ذلك.
الموقف الاميركي تجاه الدولة الفلسطينية
الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن حلم باقامة دولة فلسطينية، واشتهر برؤيته حول حل الدولتين، فلسطينية قابلة للحياة ويهودية (قوية ومهيمنة على المنطقة). وحاول تحقيق رؤيته، ولكنه لم يستطع، فترك الحكم، وترك تركة ثقيلة جداً جداً لخلفه باراك اوباما..
الرئيس اوباما يؤمن باقامة دولة فلسطينية، أي حل الدولتين، ولكنه حتى هذه اللحظة لم يحدد موقفه بصورة واضحة تجاه الدولة الفلسطينية.
الادارة الاميركية الحالية تفضل اعلان اقامة الدولة بالاتفاق مع اسرائيل، ونتيجة لمفاوضات واتفاق نهائي يتم التوصل اليه بين الجانبين، ولكن في الفترة الحالية تطلب من الفلسطينيين القبول بمقترح الدولة الجديد، وهو منزوعة السلاح، لا تضم القدس وغور الاردن، والمستوطنات كما ان حق العودة مجمد أو مشطوب، اي أن تقام الدولة الفلسطينية على اقل من 60 بالمائة من الارض.
وعدت الادارة الاميركية انه اذا لم تؤت المحادثات والمفاوضات ثماراً جيدة، ونتائج ايجابية فإن اميركا لن تتردد في استصدار قرار لمجلس الامن الدولي يعترف باقامة الدولة الفلسطينية، ولكن على حدود مؤقتة، وهذا الموقف الاميركي لا يختلف كثيراً عن الموقف الاسرائيلي بل هو نسخة معدلة منه لصالح اسرائيل وعلى حساب شعبنا الفلسطيني، وهذا التوجه الاميركي يؤكد أن اوباما لن يدعم موقف الرئيس عباس بصورة قوية، وانه، أي اوباما، عدل وبدّل من مواقفه، في اطار مقايضة لصالح العلاقة بين الدولتين، وعلى حساب الفلسطينيين.
أي أن المطروح حالياً هو اقامة دولة على ما يتوفر من الارض، أي على حدود مؤقتة، ومن ثم العمل على تحرير ما تبقى من الارض.. أي تطبيق المثل القديم القائل "خُذ وطالب".. وهذا يعني ان الدولة الفلسطينية المقامة ستكون صغيرة وهزيلة.. وستعمل القيادة على تفويتها من خلال بناء مؤسسات قوية لها.
ونتنياهو يريد ذلك، ولكنه لا يريد اعلان اقامة الدولة، بل ان يكون هناك حكم ذاتي محدود يستطيع من خلاله المواطنون ممارسة حرية الرقص والغناء، ولا يستطيعون ممارسة حق التنقل والعبادة والعمل إلا بعد الحصول على تصريح اسرائيلي.
مرحلة محبطة
المرحلة القادمة محبطة، لأن الاهتمام الاميركي بدأ ينصب على العراق وافغانستان، وبقية دول المنطقة بعد أن شعر الرئيس أوباما أنه بالغ في قدراته على تحقيق سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وان الوضع سيبقى على ما هو عليه، أي الجهود ستبذل للعودة للمفاوضات، ولا يهم إلى أين تقود هذه المفاوضات، أو ما ستحققه، وبالطبع لن تحقق شيئاً ملموساً وواقعياً، ولن تؤدي إلى حل نهائي وشامل وعادل.
كل المجتمع الدولي مع مرور الزمن سيطالب الفلسطينيين بقبول اعلان اقامة الدولة على حدود مؤقتة، وسيحاولون اغراء القبول بذلك مقابل دعم هذه الدولة حالياً ولمدة خمس سنوات على الاقل.. واذا قبل الفلسطينيون بهذا الطرح حالياً، يعني أن القدس لن تعود، وان حق العودة شطب، ويعني اقامة دولة على أرض محتلة يرضي اسرائيل والفلسطينيين على حد سواء، وهو حل غير منطقي لانه لا يمكن ان تقام دولة على ارض محتلة، ولكن كل شيء في هذا العالم مقلوب ومعكوس، ويبدو أن نظرية بناء الدولة قبل التحرير شعار يطبق حالياً على ارض الواقع، ويلقى ترحيباً دولياً وكذلك من جانب القيادة الفلسطينية على حد كبير لان بناء الدولة وفرضها على أرض الواقع، وحسب أصحاب النظرية، سيؤدي الى انهاء الاحتلال في النهاية ولو بعد عشرات السنوات.
المتفائلون كثيرون بهذا الطرح، ولكن التساؤل هل من الممكن لاسرائيل ان تسمح للفلسطينيين باعلان اقامة دولة "هزيلة" وحسب أهوائها، وهل تسمح لهم بالاستقرار والهدوء والطمأنينة.
الامر مشكوك فيه، لان التجارب أثبتت ان اسرائيل ليست معنية باستقرار أو هدوء، وهذا ما ستؤكده ممارساتها القمعية اليومية، وقراراتها الاستفزازية وسياستها التوسعية المتواصلة..